محكمة النقض الفرنسية 2/2
تجاوز عمر المحكمة المذكورة القرنين . لم تهرم أو تبدو عليها عوارضه. غادر مؤسسوها الأوائل الحياة منذ قرنين وبقيت المؤسسة. حملتها عبر التاريخ أجيال وأجيال. لم تبق على قيد الحياة لتعيشها, وإنما لتبقى, في المكان والزمان, جزءا من الحياة نفسها فاعلة ومؤثرة ومراقبة وحامية. و دعامة أساسية من دعائم الدولة . الدولة التي عرفت في مسيرتها عبر القرون انعطافات وتغيرات وتقلبات, وتتالت عليها أنظمة ملكية وإمبراطورية وجمهورية. وعرفت نزاعات وحروب منها حربين عالميتين. وصولا إلى البناء الأوروبي الحالي.
استطاعت المحكمة ــ رغم هذا كله, ورغم معركة الأفكار: الفلسفية, والقانونية, والسياسية والتحولات الاقتصادية.. ــ التكيف مع المعطيات والمتغيرات, والمستجدات بأنواعها, وأثبتت حضورا قويا فاعلا ومستقلا في الدولة الفرنسية القومية, وفي الدولة كعضو في الاتحاد الأوروبي. فهي كما وصفها رئيسها الأول غي كانيفييه " مؤسسة حية".
نصت المادة L 411-1 من قانون التنظيم القضائي على أن للجمهورية محكمة نقض وحيدة. وأعلنت المادة L 411-2 على أن : محكمة النقض تنظر في الطعون بالنقض المرفوعة ضد الأحكام النهائية الصادرة عن محاكم النظام القضائي العادي. محكمة النقض غير مختصة في النظر في موضوع القضايا. إلا إذا نص على ذلك تشريع مخالف. ونصت المادة R 121-1 أن باريس مقر محكمة النقض الفرنسية .
تتميز محكمة النقض بخاصيتين رئيسيتين: الأولى إنها وحيدة في الدولة. وهذا مرتبط بمهمتها الأساسية, الموكولة لها منذ النشوء, مهمة توحيد أحكام المحاكم jurisprudence . والثانية إنها لا تحاكم أطراف الدعوى, ولكن " الأحكام, والقرارات الصادرة في الدرجة الأخيرة.
فهي ليست مدعوة للبت في النزاعات, وإنما لتقرير إذا ما كان القرار أو الحكم موضوع الطعن أمامها صدر مطابقا لنص وروح القانون أم لا. في حالة الجواب بالإيجاب ترد الطعن rejette. وفي حالة النفي تنقض casse القرار المطعون فيه, وتحيل القضية لمحكمة جديدة من نفس طبيعة ودرجة المحكمة التي أصدرت القرار في المرة الأولى, للحكم فيها من جديد.
وعليه يقال بان محكمة النقض ليست درجة ثالثة في القضاء. والقول المعروف هو أن محكمة النقض قاضي القانون وليست قاضي الموضوع. ولا تستطيع الحكم إلا ضمن الطعن الذي رفع أمامها. فهي تنظر ضمن حدود الدفوع المقدمة لها. فالدفع المقدم لمساندة الطعن بالنقض متعلق إما في شكلية مخالفة القانون, أو لعيب في الشكل, أو في التعليل. وان قاضي النقض لا يستطيع البت في نقطة قانونية لم تعرض عليه. فهو" يحصر محتوى قراره مكيفا له على الحالة التي تم إخضاعها له. ( هيبرود).
تمارس المحكمة رقابة مزدوجة: انضباطية disciplinaire على قرارات قاضي الموضوع. و معيارية normatif على تطبيق القواعد القانونية. تفسيرها للقانون يهدف لتوحيد تطبيقه. وفي نفس الوقت تبني jurisprudence وحيد يكمل ويوضح معنى القانون. فوحدة الأحكام القضائية هي اللازمة الضرورية لوحدة التشريع في النظام الفرنسي. ( جورج بيكا و ليان كوبره).
عند ممارسة الرقابة لا يحرص قاضي النقض فقط على ان يكون القانون قد تم تأويله بشكل صحيح, وإنما كذلك أن يكون قد تم في نفس المعنى من قبل كل المحاكم. وتمارس بذلك مهمة معيارية normative لأنها تفرض تفسيرها هي للقانون. وبهذا يمكن القول كما يقرر بيكا انه أصبح من المقبول اليوم بان القاضي, وللضرورة, يملك بعض الدور كمنشئ للقانون. ولكن يجب القول بان محكمة النقض تمارس في هذا دورا محدودا,
تشمل اختصاصات محكمة النقض كل فروع القانون المتعددة, ما عدا, بطبيعة الحال, القانون العام لوجود قضاء إداري مختص في هذا المجال.
التنظيم الإداري للمحكمة:
يتكون ملاك المحكمة العامل من 206 قضاة. بينهم 178 قاض حكم magistrat de siège و 26 قاضي نيابة magistrat du parquet . وأميني سر عامين. Secrétaire général .
أما الملاك العامل من الموظفين فهو موزع بين قلم المحكمة greffe, وموظفي النيابة العامة. 34 كاتب رئيس فئة أ. و 41 كاتب فئة ب. و 155 موظف فئة ج . وتضم أمانة سر النيابة 3 كتاب فئة أ. و 5 فئة ب. و 20 موظفا فئة ج.
مرتبات الملاك والعاملون في محكمة النقض, 500 شخص, يماثل المرتبات المعتمدة في الوظيف العمومي fonction publique ( لا يسعني هنا إلا الخروج عن الموضوع والابتعاد عن الأساليب الأكاديمية ــ خروج تعوده منا القارئ في كل كتاباتنا ــ للإشارة لموقف حدث لي في زيارتي لقطر عربي ويحمل كثيرا من الدلالات. فاجأني قاض, وقع لي وثيقة دون أن ينظر لوجهي إلا حين أرشدته تلك الوثيقة لمكان إقامتي, بسؤال لم يسبقه سلام أو تمهيد بكلام: كم يبلغ مرتب القاضي هناك ؟. سؤال نترك الإجابة عليه للمستشار جان فرنسوا فيبر رئيس غرفة محكمة النقض, فقد أشار إلى مرتبات بعض القضاة , ولكن في الدرجات الأعلى من درجة السائل. (كتابه المشار إليه في الجزء الأول من هذا المقال. ص.23). يحصل الرئيس الأول لمحكمة النقض والنائب العام فيها على اعلي المرتبات المقررة في الوظيف العمومي. فئة حرف G . ويحصل المستشارون فئة حرف D-E . على مرتب شهري قدره 5554 يورو , والمستشار المقرر في المستوى المتوسط على 3835 يورو يضاف إليه تعويض اتفاقي يعادل 39%. وتعويض غير محدد يصل في المتوسط إلى 14% , بمقتضى المساهمة في العمل الجيد لسير المحكمة والنشاطات المتنوعة. رئيس قلم المحكمة يحصل على مرتب شهري يتراوح متوسطه بين 2267 و 3730 يورو. وليس هنا بطبيعة عرض جداول المرتبات وإنما اشرنا إلى ذلك كمثال ــ خاصة وان في بلداننا يُربط الفساد القضائي فقط بمرتبات القضاة !! ـ .
مكتب المحكمة:
يتكون مكتب المحكمة من الرئيس الأول, ورؤساء الغرف, والنائب العام, والمحامي العام الأول لدى المحكمة. يضاف إليهم رئيس قلم المحكمة greffier en chef . وقد حدد قانون التنظيم القضائي, ونصوص خاصة أخرى, اختصاصات المكتب. ومنها تحديد عدد الجلسات ومدة كل منها. واعتماد القائمة الوطنية للخبراء القضائيين. عند تعيينه رؤساء الغرف ورؤساء مكتب المساعدات القانونية, يستشير الرئيس الأول المكتب. و فيه تدور المداولات المشتركة التي تهم المحكمة.
تضاف إليه مكاتب إدارية مرتبطة فقط بمكتب الرئاسة الأولى وتتبعه مباشرة. وتتكون من الأمين العام للرئاسة, ومكتب إداري لإدارة المالية. الأمانة العامة للرئاسة الأولى تتكون من 5 قضاة و 16 موظفا. من مهامها تامين أعمال الإدارة الإدارية للقضاة وللموظفين وقلم المحكمة. و استقبال المتمرنين الفرنسيين والأجانب المدعوين للمشاركة في أعمال المحكمة. وتسهر على تنظيم الندوات والمحاضرات والنشاطات الثقافية المتعلقة بالمحكمة. كما تسهر على امن الأشخاص والأموال بالتنسيق مع القيادة العسكرية المسؤولة عن حماية قصر العدالة.
تسند إلى المصلحة " service" الدولية التابعة للمكتب التبادل والتواصل مع المحاكم الأجنبية العليا في تلك الدول. وتنظيم استقبال زوار المحكمة من الأجانب. وتنقلات قضاتها للخارج. وهي مسؤولية عن الاتصالات مع وسائل الإعلام (ميديا) فيما يخص القرارات القضائية ذات الحساسية بالنسبة للرأي العام. وتؤمن توظيف مساعدين قضائيين من طلبة الدكتوراه المساهمين في نشاط بعض المصالح, وخاصة المتعلقة بالوثائق والدراسات في المحكمة.
المصالح الإدارية لإدارة المالية: يشرف عليها قاض مكلف من قبل الرئيس الأول . وتشمل 30 موظفا. مهمتها استغلال وصيانة المكان بمكاتبه وتجهيزاته وأثاثه ومحتوياته .. والمواد والتجهيزات التابعة له. وتشمل مصلحة المعلوماتية ومصلحة المرتبات وتعويضات أفراد الملاك. وتتابع تنفيذ الميزانية ( بلغت ميزانية المحكمة أكثر من 8 ملايين يورو لعام 2006.).
تتولى ترتيب بعض المهام الإدارية للرئاسة الأول و للنيابة العامة, أمانات عامة يديرها قضاة شباب يقومون بمهام رئيس ومدير مكتب الرئاسة الأولى. إضافة إلى ذلك يمارس الأمين العام مهام مدير المصادر البشرية.
الجمعيات العامة Assemblées générales
ـ جمعيات التشاور. تجتمع مرتين في العام مع مجموع ملاك المحكمة (قضاة وموظفون). كما تجتمع مقتصرة على القضاة بهدف معالجة كل المسائل المتعلقة بعمل المحكمة. تُُعد لهذه الجمعيات لجنة دائمة مكونة من أعضاء منتخبين يستلمون الطلبات والاقتراحات المقدمة من قبل أعضاء المحكمة, وتعقد الجمعية مع الرئيس الأول والنائب العام ورئيس قلم المحكمة. وكاتب النيابة العامة.
الجمعيات التنظيمية: يُنتخب القضاة حسب النصوص القانونية من قبل مجموع قضاة الحكم أو قضاة النيابة, أو من قبل مجموع القضاة بالاقتراع السري.
المكتبة: تكونت مكتبة محكمة النقض عام 1796 بمبادرة ميرلان وزير العدل, الذي أحال للمحكمة مجموع محتويات مكتبة نقابة المحامين في محكمة باريس المصادرة عام 1791 بعد حل نقابتهم. إضافة للتبرعات الخاصة من رجال الدين والأعيان. وضمت مؤلفات ومخطوطات من القرون السابقة. وبلغ عدد محتوياتها 9000 مؤلف كرصيد أساسي . في منتصف القرن 19 ضمت المكتبة أكثر من 51 ألف مؤلف قانوني وديني وتاريخي, حرق منها في حريق كمونة باريس في 24 و 25 ماي 1871 حوالي 30 ألف مؤلف. وقد تطورت المكتبة الحالية بوسائلها الحديثة وانفتاحها على مجالات الوثائق الرقمية , لتصبح غنية جدا وزاخرة بكل ما يحتاج إليه القضاة في عملهم اليومي. كما أن فهرستها تمت حسب وسائل المعلوماتية, وممكن الوصول إليها عن طريق موقع الانترنت لمحكمة النقض. تتبع المكتبة وزارة الثقافة الوطنية.
مصلحة الوثائق والدراسات التي تم إنشاؤها بقانون 23 جويليه/تموز 1947 في مقر المحكمة تطور دورها تدريجيا لتتدخل في معالجة الملفات. ومع سياسية التوسع في نشر أحكام القضاء والتعريف به, نظمت جدولة مركزية تحت عنوان وحيد, يحتوي على موجز لكل القرارات المتخذة من قبل المحكمة, وموجزا عن الأحكام الهامة الصادرة عن المحاكم الأخرى.وتصدر شهريا نشرتين مدنية وجنائية. الى جانب نشرات اخرى فصلية وسنوية.
التنظيم القضائي لمحكمة النقض:
نصت المادة L 121-3 من قانون التنظيم القضائي على أن " محكمة النقض تضم غرفا مدنية. وغرفة جنائية على الأقل". وعليه فالمحكمة تتكون من 5 غرف مدنية , وغرفة جنائية. لكل غرفة منها رئيس ومستشارون ومستشارون مقررون , ومحامون عامون, وكتاب قلم الغرفة. بعد الحرب العالمية الثانية ومع زيادة الملاك الفاعل جرى تنظيم الغرف في أقسام sections مكلفة بالمنازعات الخاضعة لولاية الغرفة.
الغرفة الأولى تضم قسمين. اختصاصها الأساسي متعلق بالجنسية , والحقوق الشخصية, وشؤون الأسرة, والطلاق, والميراث, والالتزامات , والمسؤولية التعاقدية, والقانون الدولي الخاص, والتحكيم, والمهن المنظمة, والملكية الفنية والأدبية.
الغرفة الثا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ