لا يمكن للمقيمين العرب في الغرب, وهم يرون آلاف المتظاهرين ينزلون للشوارع في كل المدن الكبرى, منذ العدوان الوحشي الصهيوني على الشعب الفلسطيني في غزة , ويسمعون الهتافات, التي لم يكتبها عرب أو يوحي بها إرهابيون, أو معادون للسامية, الناعتة إسرائيل بالعنصرية وبالإجرام والوحشية . ويرون ويسمعون, مقابل ذلك, المواقف المتغطرسة, والانتهازية, والمتواطئة, للحكومات المنتخبة من قبل هذه الآلاف, والتي من المفترض , حسب أصول الديمقراطية, إنها تمثلهم وتعكس آراءهم وإرادتهم وتقف عندها, لابد لهؤلاء المقيمين, مهما كانت صفاتهم, الطارئة على هذه المجتمعات, ومهما كانت درجة الاندماج فيها معاشيا وثقافيا وعلميا.. بهذا القدر أو ذاك من “الاندماج”, أن يندهشوا, وأن يختل عندهم مفهوم الديمقراطية, و تهتز أمام أعينهم قيمها. فهم يرون ويحسون ما لا يراه, واضحا, ولا يحسه, عميقا, غيرهم من المواطنين الغربيين الضاربة جذورهم في أعماق تاريخ قارتهم, منذ قرون وقرون, القضايا العادلة التي يراد لها عمدا أن تستعصي على الفهم, وان تصبح أدوات لتبادل المصالح غير المشروعة, وكأنّ مكوناتها ليست أرواحا أرواح بشرية, وحقوقا, وقيما إنسانية.
تيارات كاسحة من المواطنين الأوربيين تعبر عن أرائها بالتظاهر في الشوارع, وأخرى ترى ما يراه المتظاهرون, وان لم تخرج للتعبير عنه في الشوارع, وأخرى غيرها تتظاهر, وان كانت اقل بما لا يقاس, وربما لهول الحدث وبشاعة الجريمة, لتأييد إسرائيل في عدوانها.
يقابل كل هذا, وأمام دهشة المقيمين في الغرب من غير الأصول الغربية, إعلام في غالبيته المطلقة, يذهب عكس ما يرى ويحس به الجميع, يضلل وينتقص من قيمة وجدوى ما يحدث, بإعادة إخراج سينمائي تقني للعدوان, ومداه, وأسبابه, وحصيلته ونتائجه, وإعادة تركيب الأحداث مدعمة بالتعليق والصورة. تعليق منحاز انحيازا مقززا, وصورة مجتزأة ومشوهة في جانبها المأخوذ من الجانب العربي, وصافية صفاء مزورا وخادعا من جانبها الإسرائيلي. وكانّ الأمر لا قيمة مؤثرة له, لأنه لا يمس مباشرة هؤلاء المستنكرين, فهو متعلق بحياة آخرين. آخرون يتسببون عمدا في قتل أنفسهم وبتشردهم. ويسعون بإقدامهم إلى شقائهم . ويجبرون الآخرين من الصهاينة “المسالمين” على ارتكاب جرائم بحقهم. إعلام ينقل ما يروجه الإعلام الإسرائيلي نقلا حرفيا ــ وبمفردات كبير دجاليهم حامل جائزة نوبل للسلام, الصهيوني المخضرم شمعون بيريس ــ ويضفي عليه ما يسمى مهنية. ويريد أن تصدق الشعوب بان الضحية قتلت القاتل, أو أنها سعت لقتله فقتلت نفسها.
فأصبح الدفاع عن إسرائيل واجب كل الديمقراطيات الغربية, أليست هي “واحة للديمقراطية” على النموذج الغربي, في شرق أوسط أنظمته السياسية شمولية, ودكتاتورية, وإرهابية, ومتخلفة, تضطهد شعوبها وتحتقر الإنسان, مواطنها, وتجرده من حقوقه. وأنظمة عربية تفوق في هذا غيرها من تلك الأنظمة. قتل بعضها وشرد واضطهد الفلسطينيين, في أماكن عديدة وبوسائل مختلفة, بما يفوق ما فعلته إسرائيل, المدافعة عن نفسها, وعن ديمقراطيتها, وعن العالم الحر والمتحضر. ومنظمات وفصائل فلسطينية, بالعشرات, متناحرة, تصفي أحيانا حساباتها فيما بينها بقوة السلاح, تنحاز إلى هذا النظام العربي أو ذاك من الأنظمة المذكورة, فتهب لنصرته وتغضب لغضبه, ولو على حساب قضيتها الأساسية, ولو على حساب الشعوب العربية التي تعاني بدورها من جور هذه الأنظمة.
هذه هي الصورة المنقولة بعيرها ونفيرها إلى شعوب الغرب ــ وليس لحكامه, لأن هؤلاء يعرفون جيدا الولد وأمه وأبيه ــ بأقلام وصور ودعايات إسرائيلية , يساعدها في ذلك غباء وغوغائية أعلام عربي عنتري النبرة, هجائي, يفوق لسان الفرزدق وجرير قذاعة وقذفا وتشهيرا. خطاب عربي غير قابل للتغير لأنه خارج العصر كليا, ومن عقلية وثقافة وتركيبة الأنظمة المذكورة, ومن طبيعتها وإفرازاتها. فبماذا يفيد القضية التي نحن , مثلا, إن يعلن المتفرجون من مواقعهم الوثيرة طيلة 22 يوما, وقبل أن تجف الدماء وتُجمع الأشلاء, النصر المبين, مكفرين ومخونين كل من لا يشارك في الاحتفالية, أو يشارك فيه بتحفظ, داعين لمزيد ومزيد من الانتصارات المشابهة , مع عدم نسيان إهدائها للمستحقين, أمام دهشة كل المؤيدين من المتظاهرين المتعاطفين معنا, لا لشيء وإنما لهول المجزرة.
ولكن أيها الغرب المؤيد لديمقراطية إسرائيل, هل هذه الأنظمة العربية الدكتاتورية والشمولية, هي خيار شعوبها, ومنتخبة من قبلها ولا ترضى عنها بديلا ؟. وهل تعكس طبيعة الشعوب العربية وثقافتها وأمنياتها وأحلامها؟. وهل أنشأت الأنظمة المذكورة نفسها بنفسها, معتمدة كليا على الذات؟, وهل كان الغرب, الذي يبشر بالديمقراطية, بريء من هذا الإنشاء, و بعيد عن تقديم الدعم لها ووسائل الإبقاء؟, ولم يساهم, عامدا متعمدا, بوأد كل أمال شعوبنا بديمقراطية وحرية ومساواة دفعت من اجلها دما ودموعا, وعانت في السجون اقسي أنواع التعذيب, وفي المهاجر تشردا وملاحقة؟.
في عيون الجماهير الغربية الغاضبة والمستنكرة المجازر في غزة, القضية الفلسطينية غائبة كقضية, ومنسية, والقليل منهم يعلم كيفية نشأة إسرائيل “الديمقراطية” على النموذج الغربي, وحقيقة ادعائها بأنها الامتداد الطبيعي لحضارة الغرب, وادعاءاتها بأنها جاءت تقيم واحة جميلة في صحراء العرب القاحلة في كل شيء, وان التصحر سيزداد تصحرا على تصحر إن لم تتوسع فيها هذه الواحة, وتقام واحات أخرى, امتدادا لها, وبترتيبات شرق أوسطية.
نشأة إسرائيل أصبحت واقعا لا يجادل فيها, حسب الإعلام الإسرائيلي المدعوم غربا وشرقا, أصبحت من التاريخ, من الماضي الذي يجب أن لا نعود للنظر فيه ( هذا الماضي وتاريخه صنعه الأقوياء كما أرادوا وبالإرادة المنفردة, أما نحن العرب فلم نعد صناع تاريخ ولا من كتبته, ولا نقرأه ولا نفهمه, لأننا لم نعد قادرين على صنع أي شيء مفيد, واستعصى علينا الفهم الصحيح للأشياء), ومطلوب من العرب عموما, والفلسطينيين خصوصا, التسليم بما رأته وتراه إسرائيل “الديمقراطية” النموذج الحضاري في منطقتنا غير الحضارية.
وقفت بعض الجماهير الغربية, معنا وقفة إشفاق وتضامن إنساني مع ضعيف يُقتل, ومهزوم لم تُترك له فرص للنجاة من قاتله. وقفة فيها إدانة لاستعمال العنف المفرط, والسلاح المحرم دوليا. ولو كان العنف اقل إفراطا, والسلاح أقل حدة لتغيرت مواقف كثيرة, ولخفت حدة التنديد. وكأنّ المجازر يجب أن تكون شاملة وكبيرة لتحشد تظاهرات وطاقات الجماهير الغفيرة. أما أصل المشكلة وفروعها فهي خارج الموضوع. و الكثير من منظمات حقوق الإنسان تكتفي بتوثيق “الانتهاكات” والتصريحات, المتحفظة جدا, وتدعو إسرائيل لضبط النفس وعدم الإفراط في استخدام القوة, وتعجز عن الإصرار على ملاحقة المجرمين قضائيا ومحاكمتهم وإدانتهم. تفور مع احتدام العدوان, وتهدأ مع وقف إطلاق النار.
لسنا هنا, من موقعنا الحالي في الغرب, في مجال طرح القضية الفلسطينية, ولا التذكير بقيام الكيان الصهيوني على ارض فلسطين منذ عام 1948 والى اليوم, فهذه مسألة كُتبت فيها آلاف الكتب, المنصف فيها يعد على الأصابع, وإنما أردنا الإشارة إلى أن ما يراه المتظاهرون اليوم ليس إلا نتائج متولدة عن هذه القضية المسكوت عنها منذ عقود كثيرة ومظلمة, وبان عدم العودة لجذورها لحلها سيجبر هؤلاء المتظاهرين على الخروج للتظاهر مرات ومرات, اثر كل عدوان قادم, إلى أن
























