عام جديد في عالم متحضر

كتبهاد. هايل نصر ، في 3 يناير 2009 الساعة: 19:06 م

لسنا في مجال الحديث عما يُعرف بالعالم الأول, والثاني, ونحن, أي العالم الثالث. فهذه التصنيفات وان لم تكن دقيقة في حينها لم تعد  اليوم موجودة, أو على الأقل لم يعد يأخذ بها بجدية. ما نريد قوله هنا ليس مجاراة الغير في تقسيم للعالم على أساس اقتصادي: عالم غني, وأخر فقير, وثالث بين بين . أو على أساس حضاري: عالم متحضر, وأخر بلا حضارة, وثالث بين بين. أو سياسي: عالم ديمقراطي, وأخر مستبد ديكتاتوري, وثالث بين بين. أو تكنولوجي: عالم العلم والابتكار والتكنولوجيا المتطورة, وأخر متخلف بلا علوم عصرية أو تكنولوجيا وعبء عليها, وثالث بين بين. أ و قيمي: عالم حقوق الإنسان والحريات الفردية والعامة, وآخر عدو للإنسان وحرياته وكرامته, وثالث بين بين. أو حتى تصنيف ثنائي بوشي بحت: عالم الخير وعالم الشر.

ما نحاول قوله, في وقت عز فيه صادق القول و صريحه, هو ونحن نرى توديع العام المنصرم غير المأسوف عليه, واستقبال عام 2009 المشكوك فيه عند من تتشابه أعوامهم, ونتنقل بين المحطات الفضائية المغطية أحداث الكرة الأرضية, وحدثها الآني انتهاء عام وقدوم آخر, نرى اختلاف المظاهر الاحتفالية,  تعكس واقع هذا العالم الواحد, المتخذ من هذا الكوكب الأرضي  وطنا وحيدا للبشرية جمعاء لا تعرف غيره, إلى الآن على الأقل, وفيه  تتضارب وتتصارع المفاهيم والآراء و  الأديان والمصالح صراعا سلميه لحظات قليلة إذا ما قيس بعمره الزمني.

 تتسابق المحطات التلفزيونية  وبكل اللغات , إلى جذب المحتفلين إليها بتنويع البرامج بين غنائية وراقصة ولقاءات بين نجوم و”نجمات” وفنانين وفنانات ومطربين ومطربات, ورياضيين ورياضيات, وقليل جدا جدا من المفكرين والمفكرات, فليس للفكر مكان في مثل هذه المناسبات. العاب بهلوانية ونكات لا تقف عند المحرمات. تتناول رؤساء وملوك ومسؤولين, وحتى بابا الفاتيكان. وينقل مراسلوها للمتفرجين في العالم اجمع أنواع الزينات والألعاب النارية وأماكن الأفراح.

 ليس بين ما ينقله المحتفلون في العالم المتحضر صورة غزاوية واحدة, أو منظرا  لطائرة اف 16 أو سمتية إسرائيلية  تلاحق فلسطينيا, وتدمر منازل غزاوية. ولا وجه جندي إسرائيلي في دبابة يتهيأ للقتل, ولا وجه طفل فلسطيني مضرجا بالدماء يعكس روح التحدي. وإنما يبرز وجوه افني والمرت وباراك تكسوها براءة المعتدى عليه, المدافع بتحفظ عن النفس المهددة من إرهابي العصر.

في نفس اللحظات  التي انطلقت فيها الألعاب النارية لتغطي سماء الجزء المتحضر والغني والمتطور, ابتهاجا بأعياد الميلاد وولادة العام الجديد السعيد, في الوقت نفسه وقبله وبعده, كان ينطلق الدخان الأسود,  المنبعث من حرائق المنازل والأجساد الغزاوية لرضع وأطفال وشباب وشيوخ ونساء, ليغطي سماء غزة, معلنا ولادة عام جديد في العام الفلسطيني غير المحدد ببداية أو نهاية.

التقويم الفلسطيني ليس هجريا ولا ميلاديا. تقويم يبدأ من يوم نكبة  1948 , بدايته  حملات تهجير ومجاز دير ياسين, و فيه المجزرة تتلوها مجزرة. تقويم لا  يدركه إلا الفلسطينيون, ولا يؤرخ به إلا الفلسطينيون. عامه ليس اثني عشر شهرا كشهور الآخرين. لا يأخذ أسماء الشهور العربية أو الأعجمية وإنما أسماء المجازر, وأسماء الشهداء في فلسطين وفي الشتات, شهر استشهاد عز الدين القسام, وشهر استشهاد كمال ناصر ورفاقه, وأبو جهاد, وأبو إياد, و الشيخ ياسين , وأبو علي مصطفى, وياسر عرفات … و أسماء مراحل التهجير والنزوح.  تقويم فلسطيني مكتوب بالدماء,  منذ الثمانية والأربعين.  تتشابه فيه الأيام والشهور والأعوام. تقويم فيه حروف وأرقام من البطولة والصمود والتحدي والشموخ, فيه معركة الكرامة , ويوم الأرض, وأعوام الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية, وفيه وفيه ما لا يدركه غير الفلسطيني.     

مجزرة غزة سُطرت في نهاية عام 2008 بداية 2009 في تقويم أعياد الآخرين المتحضرين, وستُنسى عند “وقف إطلاق النار”. وتبقى في التقويم الفلسطيني إلى ابد الآبدين, فهي مكتوبة بالدماء ولن ينسي الفلسطيني دماء الشهداء.

يحتفل العالم الحر رقصا وطربا وتبادل للقبلات في الشوارع المكشوفة والخلفية, ويضيء شموع العام الجديد. هذا ما تنقله محطات العالم المتحضر للعالم غير المتحضر ولعالم البين بين, بين دهشة, أو استنكار, أو إعجاب بعض المشاهدين.

 مُضيء الشموع والأنوار, ومُطلق الألعاب النارية هو العالم الحر الديمقراطي المتحضر. ومُشعل النيران والحرائق الملتهمة للأجساد البشرية منسوب  لهذا العالم المتواطئ, الصامت على أفعاله والمبرر لها. فالأجساد غزاوية, والمنازل غزاوية, وكل غزة إرهابية. وما حولها ليسوا من العالم المتحضر, ولا حتى من عالم البين بين. فلا داع إذن لتعكير الأفراح وتعليق الأعياد. فالضحية غير حضارية.

العالم الحر المتحضر المنادي بالحقوق وحقوق الإنسان لا يعترف لهذا الجزء من المعمورة, العامر بأهله منذ بداية البشرية, بأية حقوق وكأن إنسانه مستوطن محتل, وغاصب لأرض الغير. وكأنه منقول من القارات الأخرى إلى فلسطين . وكان حقوق الإنسان, وحق تقرير المصير  كما عرفتها المواثيق الدولية, وحق العيش في دولة مستقرة آمنة, غير معترف بها للفلسطيني, وللشعب الفلسطيني.

قصف غزة في موسم الأعياد, وأمام أنظار العالم وسمعه, لم يحرم أهل غزة والشعب الفلسطيني من الأعياد المحرومين منها منذ 61 عاما,عمر النكبة, ولم  يحرم منها الشعوب العربية, المشرقية والمغربية, التي لا تعرف من الاحتفالات إلا حدها الأدنى, في أحسن الحالات, في ظل الطغاة. وإنما حرم منها جزءا كبيرا من الشعوب الحرة  في الشرق و الغرب, التي استبدلت الاحتفالات بالنزول للشوارع للتعبير عن الغضب, والتنديد بالظلم ونازية العدو ووحشيته, وانتهازية حكامها, رابطة  في هتافاتها بينهم وبين قتلة تل أبيب, ومنددة  بخنوع الحكام العرب.

غضبة الشعوب العربية والشرقية والغربية ليست إلا انتصارا للحق الفلسطيني, وتنديدا بالعدو الهمجي وأنصاره, والمتواطئين من دعاة حقوق الإنسان المتغطرسين. غضبة شعوب العالم مساندة لشعب فلسطين كاملا لا لفصائل. لدولة فلسطينية لا لجزء منها. غضبة الشعوب الحرة في هذا العالم, غير المنقسمة في تأييد الحق إلى عوالم. ولا تقبل أن يمتطيها المهللون من محطاتهم الفضائية العربية, المتصدون للمجاز الصهيونية بالأناشيد الوطنية.  فهم كانوا وسيبقون, رغم  الصراخ والضجيج, تجار القضية.

المجرم  محترف. بدم بارد يقتل. بدم بارد يرتكب المجازر ضد الإنسانية. بدم بارد يجابه التنديد والغضب الشعبي المحلي والعالمي. بدم بارد يتحدى القرارات الدولية. بدم بارد يحرق الأعياد والأعراف البشرية. وبدم بارد يفعل كل هذا, ما دام عضوا في ناد المتحضرين ودعاة الديمقراطية, ودون خشية من سحب العضوية. وما دام الخنوع والجبن والتأمر ميزات  الأنظمة العربية. وسيبقى طليقا  دون عقاب أو مسؤولية. د. هايل نصر.

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “عام جديد في عالم متحضر”

  1. د هايل

    يسعدنا التواصل معك

    نحو عالم تدوينى أكثر قوة وفعالية ..

    كتاب ضخم لتكريم مئات المدونين ..

    سلام الحاج ومبادرة جديدة من الخير الخالص ..

    “غزة فى القلب ”

    ” إنها صناعة روحانية تظهر بآلة جثمانية ” هذه هي “الكتابة” في نظر العالم الكبير أبن العباس أحمد بن على القلقشندى الذي قام بتأليف أوسع و أضخم موسوعة حول صناعة التأليف وتتألف الموسوعة من ستة آلاف صفحة موزعة على أربعة عشر مجلدا ،رتبها مؤلفها على مقدمة و عشر مقالات و خاتمة ومنحها عنوانا غريبا نوعا ما و هو”صبح الأعشى فى كتابة الانشا” لم يفتة شيء لم يذكره فيها أبتداء من النحو و الصرف و الأزمنة و الأوقات ، و الألقاب و الأقلام و المكاتبات و العقود و المقامات و الرسائل و الهزليات وضمن الخاتمة أموراً تتعلق بالبريد و مطارات الحمام الزاجل ….الخ ونحن اليوم وبعد مرور أكثر من ستة قرون على موسوعة القلقشندى نتحدث عن ماهية الكتابة ودورها المحوري في حياتنا جميعا . . بالكلمة شاغلت شهرزاد شهريار ألف ليلة فسجلت أروع انتصار على وحشية الإنسان و نجحت في أنسنتة . .

    من منا يستطيع الادعاء أنة ما أسترجع همس حبيبة أو عتاب صديق أو ملامة أم ،من منا لم يردد أغنية محببة أو ترنم بنشيد أو تاه في شدو أغنية خاصة من منا لا يكلم نفسة إذا يختلي بها ،يقرعها أو يثنى عليها قليل من هؤلاء يتسن له نشر ما كتب في إحدى وسائل النشر بشتى أختلافاتها . .

    المبدع الحقيقي يختلف عما سواه بما يدور في أعماقه من خلجات و ما يجيش في روحه من اختلافات معاكسة ، وبما يساوره من رغبات عارمة في النزوع إلى الجمال والحق و التغيير في تصويب الخطأ وتصحيح المعتل وأستقباح المظالم والسعي لدفع الشرور وتجميل وجه العالم بالكلمات . . في فؤاد الكاتب حب للغة يبلغ درجة العشق و الوله ، بين جوانحه عفوية طفل ودهشتة وتلقائية وصدقة ومشاكستة أيضا مضافا إليها معرفة شيخ وحكمة مجرب و صبر حكيم و على الكاتب أن يصالح تلك العناصر ويوالفها جميعا في قالب جميل . .

    من هذا المنطلق لأهمية الكتابة فى حياتنا اليومية ..

    تبادر الكاتبة والإعلامية اللبنانية المعروفة سلام الحاج بأطلاق مبادرتها الجديدة حول تجميع كتاب ضخم يضم عصارة عقول المدونين المتميزين فى مكتوب ..

    أنطلاقاً من أيمانها القوى بأهمية التلاقى من أجل أنجاز شىء ما نحو الخير ..

    ويقيناً منها بأهمية الكتابة فى حياتنا اليومية وكما تعودنا منها دائماً أن تضحى من أجل الآخر .. وتجهد نفسها وتسخر كل طاقاتها من أجل أن ترى الفرح فى العيون المتعبة .. تتقدم اليكم أخوانى المدونين والمدونات بهذه المبادرة التى ليست الأولى ولن تكون الأخيرة فى بنك سلام الحاج الخيرى .. والمبادرة تتلخص فى الآتى ..

    أن طرح قضية للنقاش وتداول الافكار حولها هو بمثابة تنبيه للعقول وضمها لبعضها البعض . انها تطبيق عملي للعقل الموجّه .

    أيها المدونون المحترمون : من منا لا يكتب ويتعب ؟

    من منا لا يرغب بتقدير تعبه وجهده ومكافأته ؟

    من منا لا يحب ان يرى ثمرة طيبة لعمله وجهده ؟

    من منا يكتب بدون رسالة وهدف ؟

    كلنا نكتب من أجل التبليغ لأشياء جميلة نؤمن بها ..اذن ، لكي نحقق خطوات أسرع وأوثق وأكثر فعالية للوصول الى المبتغى دعونا نتعاون جميعا في طرح الافكار حول تكريم كل من دوّن ولو كلمة في مدونة فما رأيكم ؟ لنقدم الافكار أولاً ، ولنمد أيدينا للتعاون ثانيا وأبداً .. ولنتلاقى ولو كان كل منا في بلد فالأرواح أيضاً تتلاقى كما الأفكار ..ونأمل أن يتحقق ذات يوم الحلم الكبير

    ل سلام الحاج وهو أن يعدّ لقاء” تكريميا لكل المدونين في منطقة وسطى بين كافة البلاد بحيث يلتقي كل الأحبة .. ويكون لقاء أسطوري. ويمكن أن يتحقق هذا كما يحصل في مهرجان كان السينمائي وتكريم الممثلين المبدعين عبر الجوائز ونشر أبداعاتهم عالمياً.. لهذا تقترح الآتى .. تقترح كفكرة بناءة وليدة يمكن أن نحققها لكل مدون نحب تكريمه للتاريخ:أن ينشر أهم ما يحب أن يبلغه أو أهم أدراج له أو أهم مقالة تنتاول الوضع فى غزة ليكون كتاب توثيقى لما يحدث .. لتطبعه سلام الحاج على نفقتها الخاصة ـ كعادتها دائماً ـ في كتاب خاص فيه أبداعات كل أو معظم المدونين المبدعين . وترغب بتسمية الكتاب” تكريم مئات المدونين وأبداعتهم للملايين”. أو غزة فى القلب حسب نوع الأدراجات المرسلة منكم ..على أن تضع صورة كل مدون أمام رسالته ومقدمة فيها سيرته الذاتية..كما تنشر صور كل المدونين على الغلاف بشكل مصغر طبعاً حتى تشمل كافة الصور.مع الترحيب الكامل بكل الأفكار البناءة والباب مفتوح للجميع بلا أستثناء مع العلم ان سلام الحاج لها باع طويل فى مجال النشر والخير أيضا وهى ترغب فى تكريم مئات المدونين والأستفادة من عقولهم النيرة فى تجميع أعمالهم فى ملتقى واحد .. لعل وعسى تصل أفكارنا نحو الخير بشكل أفضل .. والآن .. من يريد المشاركة ؟؟؟

    وجدير بالذكر أن العمل على أخراج هذا العمل الضخم للنور سوف يكون تحت إشراف الأعلامية سلام الحاج شخصياً مع كوكبة من المدونين الكبار قيمة وقلماً ..وعلى من يحب المشاركة أن يرسل الينا العمل التدوينى الذى يريد المشاركة به ومرفق معه سيرته الذاتية مهما كانت بساطتها أو مهما كانت ضخامتها الى مدونة : معك يا سلام .. حتى يستفيد الجميع من كافة الأدراجات المرسلة مع التنبية الى أرسال السيرة الذاتية وطريقة الأتصال أياً كانت الى البريد الألكترونى الى مدونات معك يا سلام أو مدونة حالة من الشجن للكاتب المصرى فتحى المزين أو البريد الألكترونى الخاص بهما ..

    أمضاء / الكاتبة والإعلامية سلام الحاج

    وتلميذها الصغير / فتحى المزين



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر