من تجارب الآخرين في بناء دولة القانون

نوفمبر 3rd, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

في القضاء.

 محكمة النقض الفرنسية

لا يبني طاغية دولة قانون. ولا يتوقع ذلك منه حصيف. ولا تقوم, طويلا, على ركائز الاستبداد, دولة تحمل "بذور فنائها" بداخلها. ولا تسمو إلى مصاف الدول المتحضرة العصرية تلك التي تقطع مع الفكر الإنساني وتجارب الشعوب, تعصبا أو تميزا أو خوفا, تحت شعار التميز العرقي أو الديني, و تحت وهم الاختيار والاصطفاء من بين الشعوب والأمم. وتلك التي تقتطع حاضرها عن ماضيها, بترا. أو تفهم تاريخها بعكس منطق التاريخ. أو تحنطه كمومياء فرعونية. أو تصوغه كما يحلو لأهواء "مؤرخيها" أو كتبة التاريخ بانتقائية: تقديسا أو تنجيسا. تعظم أبطالها إلى درجة فصلهم عن البشر وإدخالهم الأساطير وعوالمها. تلغي أدوار أجيال بكاملها في صناعة التاريخ, لتجعله وقفا على البطل الأسطورة. وتتقاتل وتتصارع من اجل أن يبقى البطل بطلا وأسطورة. ترمي مفكريها بالكفر والإلحاد والخيانة و الزندقة والتحريف, وترهب من يحاول أن يلج ميادين الفكر الحر. ولا تعيد بأي حال من الأحوال الاعتبار لمن ثبت صواب رأيه بعد رجمه خطأ وظلما بكل أنواع الراجمات, وتستمر في الرجم رغم انتصار الواقع للمرجوم وتسخيف راجميه.

مفاهيم وممارسات الأنظمة الدكتاتورية, الشمولية, المستبدة, للدولة وفي الدولة, لا تستقيم مع ما خلقه الله من تعددية وفوارق بين البشر, في الجنس واللون والتفكير والميول والأهواء .. (إذا ما توجه الخطاب للمؤمنين بأنواعهم), أو مع ما أوجدته الطبيعة من تنوع واختلاف فيها وفي مكوناتها  (إذا ما توجه الخطاب لأنصار الطبيعة, من غير المؤمنين بأصنافهم, ومن يشار إليهم بالعلمانيين) , أو ما اكتسبه الإنسان من تجارب وخبرات في صراعه مع الطبيعة ومع الآخر من اجل البقاء, ( إذا ما توجه الخطاب معمما للمؤمنين, وأنصار الطبيعة من غير المؤمنين, بما فيهم العلمانيين المتهمين  بالضلال وبعدم الإيمان,), وصولا إلى اقتناعه, عبر التاريخ, عن طيب خاطر أو مرغما, بضرورة بناء مجتمعات والعيش الآمن فيها مع الآخر وبمساندة الآخر. وبناء دول تؤطر هذه المجتمعات, وتحمل تناقضاتها القائمة على التعددية والاختلاف والتباين في المكونات, لتجعل منها عناصر ووسائل غنى  وتفاعل يقود إلى خلق علاقات منفتحة حضارية ترتكز على حقوق المواطنية. وتنظيم وسائل العيش المشترك والتفاهم والأمن والسلام. وصولا إلى المشاركة والتعددية المعبر عنها في السياسة بحرية الاعتقاد والتفكير وتشكيل الأحزاب المجسدة لها, والتداول على السلطة والاعتراف للآخر بحق ممارساتها بكافة أنواعها ودرجاتها… وبناء الكل على قواعد صلبة من تنظيم قاد إليه الفكر البشري المتنور: القوانين, والأنظمة, والأعراف التي ترقى, لقبولها الدائم, لدرجة القانون.

الاستبداد والقمع لإلغاء الآخر و التمايز والتعددية الفكرية أو حتى الفيزيائية (الحروب العنصرية, الحروب الدينية. الاقتتال الطائفي والمذهبي. والقبلي, والاقتتال الحزبي السياسي), وادعاء احتكار الحقيقة, وما يترتب عليه من إقامة أنظمة دكتاتورية استبدادية شمولية, ظلامية, يذهب ضد مفاهيم المؤمنين بخلق البشر أجناسا وشعوبا .. وضد مفاهيم "العلمانيين" وأنصار الطبيعة من غير المؤمنين على مذاهبهم المتنوعة .. وضد الإنسان أينما كان.

على أنقاض الشمولية قامت مفاهيم الدولة الديمقراطية, دولة القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان. بناء مثل هذه الدولة فيه كل شقاء ومتاعب بناء الدولة ــ كما فيه كل آمال شعوبها ــ ويحتاج جهود كل مكونات المجتمعات التي تقع ضمن إطارها, دون استثناء أو إقصاء.

وليس هنا مجال ذكر كل ما يتطلبه هذا البناء, حيث لا يمكن إلا لدعي الإحاطة بما هو ضروري لكل ذلك. ولكن يمكن الإشارة إلى بعض الركائز الأساسية التي يحب أن يقوم عليها البناء السليم الصلب  ونخص منها هنا ركيزة أساسية :القضاء. مشيرين للقضاء في تجارب الآخرين للمقارنة والاستفادة. وفي هذا الاتجاه, وضمن هذا الهدف, حاولنا الحديث بإمكانياتنا المتواضعة عن القضاء في مقالات عديدة سابقة. وستكون السطور القادمة لمؤسسة قضائية عتيدة ودورها في بناء الدولة, كمثال :

 محكمة النقض الفرنسية.

العمر الرسمي لمحكمة النقض هذه زاد على القرنيين و 19 عاما. ولأننا اشرنا إلى التاريخ, ولان لاشيء دون تاريخ, نرى أن لا بد من العودة إليه في لمحة سريعة لاستشفاف أصول وتطور هذه المحكمة, في مقالة أولى. على أن نعود إلى دور وتركيب وعمل هذه المحكمة, وتكوين قضاتها في يومنا هذا في مقالة ثانية. معتمدين على كتابات قضاة شغلوا مراكز أساسية فيها: رؤساء. ومحامون عامون. ومستشارون. وحقوقيون بارزون.

ابتداء من القرن السادس عشر بدأت تظهر كلمة نقض cassation وتتكرر مع تراجع الأعراف وترسخ القانون المكتوب الصادر عن المراسيم الملكية. وقد وضح الحقوقيون الحالات التي كان يمكن فيها  الطعن بالنقض. وميزوه عن الاستئناف العادي في موضوع القضايا العائد البت فيها للبرلمانات. ( وهي المحاكم المعادلة لمحاكم الاستئناف حاليا).

فمرسوم  Colbert لعام 1667 الذي استمر إلى آخر عهد النظام القديم  عين الإجراءات المدنية التي تعتبر خرق المراسيم الملكية سبب في رفع دعوى الطعن بالنقض. وقد ذكر مستشار الدولة  Gilbert de Voisins , 6 حالات لرفع دعوى الطعن بالنقض: العيب في المواد الإجرائية. تجاوز السلطة. مخالفة القرارات  ordonnances  . مخالفة القوانين الأساسية. مخالفة الأعراف. والتعسف أو الظلم. ( J.-F. Weber. La Cour de Cassation. 2006) . رئيس غرفة في محكمة النقض وعضو في المجلس الأعلى للقضاء).

 ويعتبر, فيبر, صعود آلية الطعن بالنقض بقوة في ظل النظام القديم على إنها ترجمة قضائية للعلاقات المتوترة غالبا بين الملك ومجلسه من جهة, وبين المحاكم من جهة أخرى. وقد علق المستشار جولي دي فلور على إن إجراءات الطعن كانت بالدرجة الأولى لحفظ المراسيم الملكية قبل أن تكون لمصلحة المتقاضين. وكان الطعن بالنقض استثنائيا يبت فيه مجلس الملك, وبالتحديد مجلس الأطراف Conseil des parties المنشئ عام 1578.

 لم تكن الملكية الفرنسية تعرف مبدأ فصل السلطات قبل مجيء منتسكيو في القرن 18 . فالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية, كانت مجتمعة بشخص الملك. وكان القضاء محجوز له.  فهو مصدره. و يتبعه مباشرة كل القضاة وكل المحاكم. وبما انه لا يستطيع إقامة العدالة كاملة بنفسه, فقد فوض جزءا منها لهيئات, بينها المحاكم المحلية.  Parlements régionaux. وبذلك اُدخل فارق رئيسي بين القضاء المحجوز والقضاء المفوض. القضاء المفوض هو القض

المزيد


شعارات مرفوعة تحتها شعوب مقموعة

أكتوبر 22nd, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

في مقال سابق بعنوان " قيم للتبشير وسياسة تدجيل. الاتحاد الأوروبي مثلا" اشرنا لتعدد المعايير في الخطاب السياسي الغربي والاتحاد الأوروبي بشكل خاص, فيما يتعلق بالسياسات الخارجية الخاصة بالعالم الثالث, العربي منه على وجه الخصوص, والى أن المتغير الوحيد في السياسات عبر الزمن لم يكن الجوهر وإنما الأسلوب. الطريقة. فمكيافيلي بقي مكيافيلي. وأصبح تلامذته نسخا أقل أصالة وأكثر انتهازية بأساليب عصرية ــ رب تلميذ فاق معلمه ــ وبقيت الغاية تبرر الواسطة. وبقي فصل السياسة عن الأخلاق قائما, ولكن مع زيادة عمق واتساع هذا الفصل.

الأنظمة العربية التي ورثت الاستعمار, تسلقا على تضحيات الشعوب بالأرواح وبكل ما تملك. واستغلالا للآمال التي كانت تحدوها باستقلال يوفر لها الحرية والكرامة, ومستقبل أفضل لها وللأجيال القادمة من أبنائها وأحفادها. هذه الأنظمة, ورقصا على تلك الآمال, توصلت إلى السلطة, بطرق اختلفت من قطر لآخر,فاحتكرتها وجعلتها أداة قمع واستغلال وإرهاب.

حاول القابضون عليها, ابتداء, بناء أنظمة سياسية على نحو ما هو معمول به في الدولة المستعمرة. فأُعلنت دساتير "عصرية" بهدف تنظم الدولة الناشئة والسلطات فيها. وقبل بعضهم بالتعديدية الحزبية صراحة أو مواربة , وشكلوا مجالس نيابية, وهيئات قضائية, و مجالس وزراء… ورفض البعض الآخر منهم أي تفكير بالسماح لظهور الرأي الأخر بآي شكل من الأشكال منظما أو فرديا.

بعد الاستقلال بفترة وجيزة جدا دخل اللعبة السياسية, في العديد من تلك "الدول", من هم ليس من أهل السياسة ولا من جهابذتها, لا تكوينا ولا خبرة ولا ثقافة. الضباط. فافسدوا السلطات التي احتكروها وأفسدت السلطات من كان منهم, بداية, أصحاب نوايا سليمة, وتطلعات صبيانية, وحماسة عاطفية. ثم تتالت الانقلابات وما جلبته ورسخته من دكتاتوريات عسكرية وأنظمة قمع, موروثة ومستحدثة, بأساليب وطرق وإمكانيات كان كثيرا ما يتورع عنها الاستعمار نفسه. وانتشرت ثقافة التخوين والاتهام, والإعدام, والسحل, والتعذيب, وهتك المحرمات, ودوس الكرامات, والإقصاء, وما تبعها من خوف ورعب كان وما زال وسيبقى أثره كبير في تكوين نفسية الإنسان العربي أينما كان, حتى في المغتربات.

لم يكن لدى الأنظمة الناشئة تلك من قيم للتبشير بها فأساليب وصولها للسلطة واحتكارها لم يكن يدخل بأي شكل من الأشكال في منظومة القيم. وإنما كان همها البحث عن المشروعية المفقودة. فوجدتها. شعارات. شعارات تعرف إنها للطرح فقط. وأنها في تركيبتها وذهنيتها كأنظمة اعجز من تحقيق أي منها حتى ولو أرادت.

القضية الفلسطينية بماسيها المستمرة, منذ النكبة والى اليوم,دخلت في حملة الشعارات وتحولت إلى قضية شعارات . أصبحت الشعار الأساس الذي يلجأ إليه رافعه ليستمد منه كل مشروعية, وكل المشروعية. فأي انقلاب لم يعلن أن هدفه الرئيس ليس الوصول للسلطة وإنما تحرير فلسطين عبر استلام السلطة؟. وأي قمع للإنسان العربي ليس فيه شيء من شعار لا صوت يعلو على صوت المعركة؟. وأي خراب اقتصادي لم يبرر بالإنفاق للإعداد للمعركة؟. وأي حاكم لم يدع رهن نفطه وثرواته من اجل التحرير, وتحرير القدس بشكل خاص, وإعادة الفلسطينيين لفلسطين وفلسطين للفلسطينيين؟.  وأي حاكم لم يأخذ هذه المهمة على عاتقه وحده بفلسطينيين أو بدونهم؟. وأي نزاعات بين الأنظمة العربية, ولو كانت شخصية بحتة, لم يكن في أسبابها المعلنة بعض من فلسطين, أو من فلسطينيين, أفرادا أو منظمات وفصائل؟. وأي خلاف أو صراع أو اقتتال فلسطيني فلسطيني لا يد لنظام عربي فيه؟.

أليست هي قضية العرب الأولى؟ ألا تستحق حملة من الشعارات تتسع لتتلاقى هنا وتتنافر هناك. شعارات هنا, يطرحها أصحاب الرؤوس الحامية الأكثر وطنية ووحدوية من الجميع, تدعو, من اجل التحرير, لوحدة عربية شاملة من المحيط إلى الخليج فورا. معتبرة كل افتراء على الوحدة الشاملة الفورية تلك افتراء على القضية. وأن الوحدة المنقوصة هي تكريس للقطرية ــ وكأن الوحدة كانت قائمة ثم تجزأت وتكرست في أقطار كما هو عليه الحال الآن ــ.

 وشعارات هناك, من أصحاب الرؤوس الأقل "حماوة" و سخونة, تقبل بوحدة جزئية, وحتى بين قطرين أو أكثر, في انتظار نضوج الظروف ــ مع محاولة استعجال النضوج بالتآمر هنا وهناك وهنالك, وتدبير الفتن والانقلابات

المزيد


قيم للتبشير وسياسية تدجيل. الاتحاد الأوروبي مثلا.

أكتوبر 13th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

 كثيرا ما تعلن الدول أن سياساتها ,الخارجية بشكل خاص,  تهدف للدفاع عن قيم معينة , لحمايتها, أو لنشر وهجها وإشعاعاتها . وقليلا ما تكشف هذه الدول عن أن هدفها الأساس هو تحقيق إطماع ومصالح بحت إستراتيجية واقتصادية أينما كان وكيفما كان.

 كان هذا عبر التاريخ والى يومنا هذا, وسوف يستمر مستقبلا. فالحروب, والفتوحات, والاحتلال, كانت تبرر على أنها إما للتبشير بمعتقدات دينية أو إيديولوجية متطورة, وإما "لتحضير" الغير, غير المتحضر أو الأقل حضارة مما يجب, ونقل الثقافة إليه ووضعها خالصة بين يديه. برغبته أو رغما عنه. وإما لحماية النفس والوقاية من تسرب الأفكار البربرية القادمة من هناك من العالم المعادي لهدم الحضارات الراقية وقيمها.

 وعليه, فالغير عدو غير متحضر وجاهل ولا قيم لديه. دائم الوجود والتربص, سواء أكان وجوده حقيقيا أو مفترضا, وخطره حالا أو متوقعا, يتوجب غزوه في عقر داره بشتى الوسائل, أخرها العسكرية في أيامنا هذه (آخر العلاج الكي كما يقول القدماء).

 "شيطينة" الغير تخلق الأسباب الموجبة والضرورية  للتصدي له بكل الوسائل, بما فيها الحروب , والإبادة الجماعية, والفتوحات, والاحتلال واستعمار الشعوب واستغلال ثرواتها ومصادرها الطبيعية.

"التحضير" ونشر القيم الحضارية, خدمات لا تقدر بثمن تقدم لغير المتحضرين, وترتب عليهم حقوقا لمقدميها و أثمانا مها كانت باهظة تبقى قليلة أمام  الفوائد المرجوة  و"التحضير" قادم في النهاية لا محالة. ( مما خلق عند الطرف الآخر "الغير" ردود أفعال تحولت لموجات تعصب وكراهية وحقد وتكفير, ودعوات مصحوبة بأفعال لتدمير القيم الحضارية والمكتسبات الإنسانية وصولا لتفجير النفس لتدمير الجميع أينما كان موقعهم)

ولكن مع امتداد المستعمرات الأوروبية  لتشمل العالم بأكمله (لم تكن تغرب الشمس عن المستعمرات البريطانية),  بقيت القيم المبشر بها مجرد ادعاءات في أذهان أصحابها فقط. لم تعرف لها انتشارا أو قبولا, ولم يكن مرحب بها على الإطلاق في المستعمرات المنكوبة بحضارة مزعومة وقيم كلامية خادعة. وعكس ذلك, عم الفقر والإفقار والجهل والحرمان والأمية والتخلف والمرض ليطال مئات الملايين من البشر… وبقيت "الحضارة" تقطر دما, ليس فقط من جوانبها وإنما كذلك من قلبها ومركزها.

فإذا كان مفهوم الحضارة نفسه, والقيم نفسها, غير متفق عليها عند حامليها وناقليها ليس فقط على مستوى القارة الأوروبية, التي تهم هذه السطور, وإنما كذلك داخل كل دولة من دولها, فهل تستقيم عندها مثل تلك الادعاءات ويعترف لها ولو ببعض المصداقية؟.

إذن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه عن أية قيم تحدثوا قديما ويتحدثون اليوم ؟ هل هي تلك المعلنة والمرفوعة في كل مكان حتى على الحراب؟. أو المتناقلة عبر أجهزة الإعلام بأنواعها والمعمول بعكسها خفية أو في وضح النهار؟. وماذا نتج عن هذا التسويق بالطرق التي تم إتباعها, هل استطاعت الانتشار؟. الم يكن لحاملها نفسه دور في إعاقة انتشارها والإساءة لما حمل؟.

 سوف لا نذهب بعيدا في التاريخ لضرب الأمثلة على ما خلفته سياسة النفاق المستتر بستار القيم ونشرها, وإنما تكفينا الإشارة إلى الحربين العالمتين الأخيرتين, والحرب الباردة,  والماسي التي عانت وتعاني منها إلى يومنا هذا شعوب الدول المستقلة حديثا ــ الملقبة, نفاقا, بدول العالم الثالث, أو النامية, أو السائرة في طريق النمو, ونادرا, تماشيا مع فن النفاق, ما توصف علنا بالمتخلفة وغير المتحضرة ــ هل من تعاليم  القيم تلك, على سبيل المثال لا الحصر, أن ترسم الحدود الجغرافية لتلك الدول وتقتطع مناطق من هنا لتضم هناك, بتلاعب خبيث لتبقي الأوضاع بعد الاستقلال محل نزاعات دائمة بين الدول المتجاورة, تتطلب بالتالي تدخلات القوى الخارجية لتكريس السيطرة والهيمنة؟ .

 لا نعتقد إن غربيا واحدا ممن يؤمن فعلا بقيم محلية أو قارية أو أية قيمة لها أبعاد إنسانية شاملة يمكنه أن يجد واحدة منها  تبرر خلق المأساة الفلسطينية, أو الجريمة المستديمة بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية.  أو قيمة واحدة تقر أو تبرر الصمت  والتستر على ما جرى و يجري منذ عقود طويلة ضد الفلسطينيين بالذات. صمت  يعادل المشاركة في  القتل والتدمير والتهجير والاعتقالات والملاحقات وحرق مناطق بأكملها, غزة  آخرها,  والقادمات ستكون أفظع, والصمت سيبقى سيد الموقف. (لا نتحدث هنا بطبيعة الحال عن أصحاب القيم والمؤمنين بها فعلا من الشعوب الغربية التي تخرق الصمت وتتظاهر في الشوارع لقول الحق. ولا عن كتابات الأحرار من المثقفين بأنواعهم وقيامهم بحملات تطوع لمناصرة القضايا العادلة في العالم أجمع. وإنما الحديث عن السياسيين المتاجرين بالقيم وبدماء وآلام الشعوب المختلفة عنهم مكانا وكيانا ومعتقدا).

  الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية, والتي كانت تبحث عن إقامة التوازنات في العلاقات الدولية بأي ثمن, كرست نتائج الحروب المشار إليها, ورسمت الأوضاع الظالمة المترتبة على تسويات مفروضة بالقوة. ورسخت  معسكرين رئيسيين متضادين أقاما الأحلاف والتكتلات  باسم الدفاع عن المعتقدات والقيم :

ـ محاربة الدكتاتورية, والأنظمة الشمولية, والمد الشيوعي, وانتهاك حقوق الإنسان والحريات العامة والفردية, وكسر الطوق الحديدي المفروض على دول المعسكر الاشتراكي وشعوبه, والتصدي للأفكار الهدامة, وإقامة الديمقراطية ودولة القانون هناك, وهناك فقط. مهام جند المعسكر الغربي نفسه بكل إمكانياته لمحاربتها لمخالفتها لقيمه ومعتقداته.

ـ تخليص الإنسانية من الامبريالية ونظمها. وتحرير الشعوب من الاستعمار. والنضال من اجل اتحاد عمال العالم لتحرير الطبقات الكادحة من الاستغلال البشع. وإقامة دكتاتورية البروليتاريا وصولا إلى فناء الدولة.. قيم سادت المعسكر الاشتراكي و تحولت إلى إيديولوجيا متكاملة ثابتة وجامدة رفضت كل تطور, وعرفت داخل معسكرها نفسه صراعات نتيجة للتفسيرات والتطبيقات المتباينة.

 الحلف الأطلسي وحلف وارسو من الأدوات العمالتية المستعدة لكل شيء بما فيه تدمير الإنسانية من اجل الدفاع عن القيم التي يعلن كل طرف بأنها قيمه وإنها هي الأفضل للإنس

المزيد


أطفالنا. تغيرت المهن وبقيت المهانة

أكتوبر 3rd, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

من وحي زيارة مشروطة للوطن.

من مقهى حديث الافتتاح, مطل على شارع رئيسي في بلدي الذي لم أزره إلا مرتين بعد أكثر من 35 عاما من الاغتراب. شارع كان يومها الرئيسي والوحيد في المدينة. كنت أعبره مرات عديدة يوميا. فيه وعبره تمر كل نشاطات المدينة  وفعالياتها. من هذا المقهى, والمقاهي نادرة في مدينتنا, كانت جلسات استعادة الذكريات, فكلما سنحت الفرصة, استرق بعضا من الوقت في غفلة من الأصدقاء والأهل والمعارف للهروب من بعض الواجبات الاجتماعية التي تفرضها العادات والتقاليد على المغترب, للخلوة بنفسي واستحضار الماضي وذكريات الطفولة والدراسة الإعدادية والثانوية, وهل هناك في حياة الإنسان مرحلة أعز على القلب من تلك المرحلة مهما طال الزمان وبعد المكان؟. انها المرحلة التي ستؤثر في بناء شخصية الانسان لاحقا.

 في بلداننا تتلاعب بنا الصدف وللأقدار, وتأخذنا في كل اتجاه وصوب, وقد تبعدنا إلى حيث لم نكن نتوقع. إلى ما وراء البحار. قد يطول اغترابنا وصولا إلى أواخر مراحل الشباب, وللكهولة, وحتى الشيخوخة, وقد يلقى البعض وجه ربه الكريم غريبا دون أن تكتب له العودة ولو لمرة واحدة ليرى الوطن بمن فيه وبما فيه.

من وراء واجهة المقهى المذكور, في الطابق الأول, كنت أرى المارة في زحام وتدافع بمعدلات غير مسبوقة, وبوجوه فيها صرامة وثقل الواقع وأعبائه. وهو ما لم يكن عليه الحال في أيامنا الخوالي. يختلط الماضي بالحاضر في مخيلتي. أرى نفسي, وكأنها البارحة, طالبا قرويا قادم إلى إعدادية المدينة والى ثانويتها لاحقا. وأتذكر الطلبة الآخرين من قريتنا والقرى الأخرى, فقد كنا وقتها محل تهكم أبناء المدينة باعتبارنا قرويين, رغم انعدام الفوارق الكبيرة بين قرانا والمدينة المذكورة. كأننا قادمين من دول الجنوب المتخلف إلى دول الشمال المتطور, وكان رفضنا حينها لنفس أسباب رفض الشمال الغني لمهاجري الجنوب الفقير في أيامنا هذه.

كنا عرضة لهجوم متواصل من أطفال في مثل أعمارنا, أو اكبر قليلا, ممن لم تتح لهم الفرص وإمكانياتهم المادية  دخول المدارس. وأجبرتهم ظروف الحياة على امتهان مسح الأحذية (بوياجية) أو حمل أمتعة المسافرين في حافلات النقل الداخلي (عتالة), رغم اعتراض أصحاب الأمتعة الخفيفة التي لا يحتاج صاحبها لمساعدة في حملها, وإرغامهم على دفع مبلغ من النقود يحدده العتّال نفسه بالإرادة المنفردة, وهذا من أصول المهنة وقوانينها وأدبياتها. ولا يستطيع المسافر الاعتراض أو المساومة إذا كانت كرامته تهمه.

 كنا نسير مجموعات من الأصدقاء والمعارف حتى لا يتم التفرد بنا في زاوية مهجورة أو طريق منعزل. وما أكثر القصص وما أكثر الحوادث وما أكثر الذكريات التي كانت تقفز للمخيلة في الجلسات التذكارية تلك. ( ومع إني لا أريد ذكر طرائف, فليس هنا مكان ذكرها, قفزت بي  الذاكرة فورا إلى حادثة جرت في الزاوية التي يطل عليها المقهى المذكور, كان بطلها من كنا نسميه العتّال الأخضر, لارتدائه خلال سنوات طويلة وفي كل الفصول قميصا اخضر اللون تحول اخضراره بفعل الزمن من غامق إلى باهت جدا, و بقي فيه بعض ما يذكر بلونه الأصلي. كان المذكور قوي البنية والشكيمة, متعدد المهن: ماسح أحذية, حمال. جاهز لكل عمل يدوي. متقن لأصول المصارعة الحرة يمارسها في كل مكان عند اقتضاء الحاجة ومع من لا يعجبه. ولهذا كله كانت له القيادة والريادة بين نظرائه. أما الضحية ف

المزيد


رأيت رعايا ولم أر مواطنين

سبتمبر 25th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

هذا ما يقرره أي زائر للمنطقة العربية في أيامنا هذه, فهو لا يرى في واقع الحال مواطنين ــ وهذا ما يبدو من النظرة الأولى والاحتكاك الأول ــ وإنما رعايا مجرد رعايا. أناس نسوا منذ زمن طويل, وبفعل الممارسة المستبدة, الفرق بين استلاب الرعية وبين حقوق والمواطنين. أناس رضوا, أو على الأقل, عودا النفس على الرضاء بكونهم رعايا, والقوا جانبا عناء التفكير بمعرفة الفوارق بين أن يكونوا أفرادا من مكونات الرعية, وبين أن يكونوا مواطنين شركاء في الوطن. وذلك طلبا للسلامة بعد معاناة من استبداد وقمع جسدي وفكري عمره عقود. وبعد فرض تربية أجيال بأكملها على ممارسة دور وطقوس الرعية الصالحة في معايير الأنظمة الاستبدادية.

المواطن في عصرنا هذا, في غير منطقتنا هذه, لا يرضى عن مواطنيته بديلا , ولا يتخلى عما تحمله له   باعتباره جزء من السيادة السياسية, وبأنه هو نفسه مع مجموع المواطنين الآخرين من يختارون, بطريق الانتخاب العام النزيه وبالإرادة الحرة التي لا تشوبها شائبة, الأنظمة والحكام. المواطن الحديث صاحب حقوق : حقوق الإنسان لكونه إنسان, الحقوق المدنية, الحقوق الاجتماعية.. وملتزم كامل الالتزام بالواجبات التي عليه تجاه المجتمع والدولة كدفع الضرائب واحترام القوانين…

المواطنية ترتب حقوقا للفرد والعائلة و الجماعة, فالمواطن, كونه عضو كامل العضوية في الدولة, يملك حق المشاركة الكاملة وغير المنقوصة في الحياة اليومية والمستقبلية للمجتمع والدولة . وهي في أسس  المشروعية. وعليها تبنى الروابط الاجتماعية, ولا ينفصل عنها مبدأ المساواة أمام القانون. مرتبطة وثيقا بالديمقراطية بحيث لا يمكن تصور مواطنية حقيقية في غير أنظمة ديمقراطية حقيقية.

المواطنية ليست فقط وضعا قانونيا, فهي زيادة على ذلك روابط اجتماعية تقوم بين الشخص والدولة التي تمنحه أهلية ممارسة مجموعة الحقوق السياسية, إلا في حالة تجريده بإدانة جزائية, صادرة عن قضاء نزيه, من ممارسة كل أو بعض هذه الحقوق.

كما أنها تتضمن قيما تقليدية مثل الاحترام المتبادل بين المواطنين, والحفاظ على الكرامة الإنسانية للجميع. والاهتمام بالممتلكات العامة وكأنها الممتلكات الخاصة لأي مواطن ولكل المواطنين. احترام, واهتمام منبعثين من الذات الواعية والقناعة, للقوانين والأنظمة النافذة.

المواطنية لا تعني مجرد التعايش بين أفراد تجاوروا جغرافيا. المواطنون ليسوا مجرد أفراد متجاورين في مجتمع عليهم التعايش فيه بحكم هذه التجاور ووفق متطلباته, وإنما هم مجموع الرجال والنساء المكونين لهذا المجتمع مرتبطون بتاريخ مشترك, وثقافة مشتركة, وهدف مشترك, ومشروع مشترك, وطرق حياة مشتركة, ومصير مشترك. وهذا ما يفرض عليهم التضامن الاجتماعي والتآخي لما فيه المصلحة العامة. وتحمل المسؤولية الفردية والجماعية.

المواطنية لا تقتصر على حمل جنسية الدولة المنتمي إليها الفرد وإنما تعطيه الحق في مشاركة فعالة في حياة  هذه الدولة. فللمواطن الفعال دور أساسي ليقوم به, متمثل بالتصويت والترشح . وهنا يلعب المواطن دوره الفعال والأساسي في مجتمعه. يعبر عن رأيه بحرية مطلقة, ويساهم في اختيار أو عزل الحكام, ويشارك في صياغة التوجهات السياسية الأساسية في السياسة الداخلية والخارجية لبلده, ويبدي رأيه فيها بكل الوسائل التي يكفلها له الدستور والقانون.

المواطنية تعطي المواطنين حق تشكيل الأحزاب السياسية, والانضمام إليها, حسب قناعاتهم, وحق تشكيل الجمعيات المدنية, والنقابات, بهدف الدفاع عن حقوقهم وعن المصالح الاجتماعية والاقتصادية والمهنية.

المواطنية تفرض المساواة بين المواطنين أمام القانون وفي المحاكم, وفي الوصول إلى العمل والوظيفة, حسب معايير الكفاءات والجدارة, في مسابقات وإجراءات معلومة ومنشورة.

المواطنية لا تقوم على الإقصاء بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو المعتقد الديني, ولا تعترف بامتيازات لفئة معينة وحجبها عن أخرى.

المواطنية توفر لكل مواطن, عامل أو عاطل عن العمل, الحق في العلاج الصحي, والضمان الاجتماعي, وتكفل حق التقاعد والشيخوخة للجميع.

عندها يصبح للعبارة المعلقة على جدار بلدية

المزيد


موظفون شرقيون اجتهدوا فتميزوا

سبتمبر 10th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

للشرق سحره. للشرق طبائعه ومميزاته. للشرق تاريخه المشرق احيانا , والمظلم اخرى.وله حضارته العريقة وقيمه واخلاقه وفضائله. فيه صفاء ونقاء. كما فيه خفايا وغموض يعجز حتى أبناؤه عن فك طلاسمه, فما بالكم بالغرباء او البعيدين عنه او الجهالين بخصائصه وعميق تاريخه.

 زائرو الشرق في يومنا هذا ممن عرفوه, او عرفوا عنه شيئا وجهلوا اشياء, لا بد ان تدهشهم ــ   على اختلاف اصنافهم وتنوع مشاربهم ــ ظواهر جديدة مميزة قد لا تجد مثيلا لها في أي مكان من عالم اليوم, عالم التقنية والتكنولوجيا الحديثة, والاتصالات والمواصلات وتلاقي الافكار وتقاطعها, ولغات التخاطب  والتعامل ووسائلها,والتنظيم الاداري والرقابة والشفافية… وذلك من الوهلة الاولى ووضع القدم في مطارت الوصول ونقاط الحدود المتعددة.والى يوم الخروج والمغادرة, التي لا تكون احيانا موفقة أو ميمونة.

لايمكن الاشارة في مقال واحد لانطباعات وملاحظات, واحيانا معاناة الزائر لبعض شرق اليوم ,الساخن منه بشكل خاص, وعليه نكتفي بالاشارة هنا لظاهرة يمثلها موظفوه , بعض موظفيه ــ وكلمة بعض في هذا المقام لاتحمل المعنى الذي يعطيه اياها قاموس اللغة,فقد تتسع وتتسع في مكان ما لتصبح شاملة وتأخذ معنى الكل, وتتقلص في أماكن اخرى لينطبق عليها تعريف القاموس, ومع ذلك ولاعتبارات خاصة فضلنا استعمالها " بعض !!"

الموظف, في بعض التعاريف, أو فيما اصطلح عليه, هو الذي يقوم بمهام وظيفة مفيدة عامة أو خاصة, اسندت اليه لقاء راتب معين وأجر,  ويكرس نفسه ووقته اثناء ساعات عمله للقيام بها, خدمة للوطن والمواطن, بشكل مباشر أو غير مباشر. وذلك ضمن اخلاقيات المهنة ومقتضياتها. وهو المعد بشكل جيد ليكون اداؤه في المستوى المناسب لوظيفته.

الاحتكاك الاول ـ لمن قدر له ان يحتك ــ بموظفي, او "بعض" موظفي هذا الشرق, على اختلاف مواقعهم في أعلى السلم الاداري أوفي أسفله,يبين الى اي حد أخرج هؤلاء الشرق عن طبيعته, عن خصائص شرقيته. وعن اصالته. لم يغربوه, ولم يشرقوه, ولم يبقوه في عين مكانه. ولم يبنوا له مكانا أو مكانة عصرية ومستقلة, تاركينه فريد عصره لايشبه أحدا ولا يحترمه كما ينبغي احد, ولا يستطيع حتى العودة للتعرف على نفسه واعادة الثقة بها.

في وجوه البعض من هؤلاء الموظفين,ملامح ليست بالشرقية, أو لم تعد كذلك, ولا الغربية,أو البين بين, ونظرات لايدرك مغازيها ومعانيها الا موظف شرقي من نفس الدرجة والنوعية والتكوين, ويتحلى بنفس الاخلاقيات المهنية المكتسبة حديثا في ظل انظمة كان منمنجزاتها خلق هؤلاء وطبعهم بطابعها,  بشكلهم هذا في يومنا هذا.يتصرفون بردود أفعال غير مهنية او حضارية تتبع مزاجية متقلبة تقلب الاسعار غير المدروسة أو المدعومة في الاسواق بأنواعها, بما فيها اسواق الفواكه والخضار, وتتأثر بالتعامل اليومي مع ا

المزيد


في الحماية القضائية للطفولة 2/2

يوليو 26th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

مدونات مكتوب - اضف ادراجا جديدا.

الكفاح من اجل حقوق الطفل كفاح من اجل مشروع مجتمع.

تمت الإشارة في المقال السابق المتعلق بالحماية القضائية للطفولة إلى ما هو معمول به في كل من ألمانيا وسويسرا في هذا المجال. و سنشير هنا إلى الحماية, ضمن نفس السياق, لما هو الحال عليه في فرنسا. وبما أن الحقوق, مهما كان نوعها, لها تاريخ ترسخت فيه وتطورت واغتنت عبره وبمنطقه, وتجاري مسيرته, وتغتني من دروسه وعِبره , لذا من المفيد عرض لمحة تاريخية قبل التعرض للحديث عن الواقع الحالي للحماية القضائية للطفولة في فرنسا.

تذكير: لم تكن خصائص الطفولة معترف بها, ولا الشعور بها موجود في عصر الإمبراطورية الرومانية,  ولا  في بدايات العصور الوسطى. كان يجب انتظار القرن 15 و 16 ليظهر بعض هذا الاعتراف الذي بدأ يتطور ببطء, ليدخل خجولا في مفاهيم الأسرة البرجوازية, المتكونة في ظل النظام القديم ( النظام القديم هو النظام السابق على الثورة الفرنسية) في القرن 18 , وليمتد بعدها إلى الطبقات الاجتماعية الأخرى. وأصبحت العائلة تنتظم حول الطفل, مع اعتبارها له قاصرا حتى بعد بلوغه سن الثلاثين, وتستمر الوصاية والسلطة الأبوية عليه كاملة. فهو مثلا بحاجة لموافقة الأب للزواج. فمفهوم الطفولة, والاعتراف بها, لم ينفصل عن التطورات الاجتماعية عبر التاريخ. ( Ariès 1973, cité par Patricia Benc’h_le Roux, au Tribunal pour enfant , 2008 ).

في عهد الثورة الفرنسية تطور قانون الأسرة على هامش الوضع القانوني للأطفال, ورغم إعلان حقوق الإنسان والمواطن, والمبادئ التي جاءت بها الثورة, فان حقوق الطفل لم يُكرّس لها إعلان خاص بها أو ذكر منفصل لها.

أنشأ قانون 16 أوت/آب لعام 1790 محاكم الأسرة المكلفة بإقامة   الوفاق في المنزل الأسري ” la concorde dans la famille  “. و تم بموجبه إلغاء تعسف الأسرة , وخاصة ربها,بحق أفرادها من الأحداث, وسلطتها التأديبية عليهم وحبسهم, ليسند إلى هذه المحاكم اختصاص النظر في قضايا الأطفال درء لكل تعسف. كما ألغى قانون 7ـ11 مارس/آذار 1793 حق الابن البكر وفرض تقاسم الميراث بالتساوي بين الأخوة.  

و أنشأت مصلحة عامة ”  public service ” تتعهد برعاية وحماية الأطفال المتروكين, معلنة نهاية العصر الذي كان فيه مثل هذا العمل يعتبر حسنة أو صدقة, ليصبح حقا قوميا (الان بريال). واتخذت بهذا الخصوص مجموعة إجراءات , منها إنشاء دور الأمومة الذي نص عليه دستور 1793 تستطيع النساء أن تجد فيها مكانا للولادة والرعاية. وأصبح الأطفال “اللقطاء” يسمون أيتاما, أو الأطفال “الطبيعيين” للوطن. واستبعدت كل مصطلح فيه انتقاص من كرامة وإنسانية هؤلاء أو إهانة لهم. وفي عام 1796 أصبح الأطفال المهجورين يستقبلون في ملاجئ مدنية بحماية الدولة ورعايتها, وان على هذه الأخيرة دفع نفقات كل احتياجاتهم, وتنقلاتهم, وما يلزم لأصحاب العمل لتشغيلهم وتعليمهم المهن, وعلى هؤلاء الالتزام أمام الدولة بفعل كل ذلك, وخاصة الالتزام بتكوينهم المهني. و تمت شرعنة هذه الإجراءات بقرار نيفوز للعام الخامس.

وفيما يتعلق بالأحداث الجانحين, استمر القانون الجنائي criminel لعام 1791 باعتبار سن البلوغ الجنائي 16 عاما. وادخل مفهوم الاستفادة من قرينة سن التمييز أو عدمه عند الأحداث, تاركا للمحكمة تقدير ذلك. فثبوت التمييز عند الحدث, عند ارتكابه الفعل المجرّم, يجعله يستفيد من عذر عدم البلوغ ولكن دون الاستفادة من “المعاملة التربوية”. في حين أن الحدث غير المميز يعتبر غير مسؤول فيتم إخلاء سبيله وتسليمه لأسرته أو لإدارة السجون المكلفة بالاحتفاظ به وتربيته. وقد جاء القانون المذكور بأول تطور فيما يعلق بالتكفل  prise en charge بالأحداث الجانحين , وعرض إنشاء مقار تربوية خاصة. ومنذ تلك الفترة تم تكريس استقلال القانون الجنائي للأحداث في 3 مراحل لا مجال هنا لتتبعها. ويمكن الإشارة فقط إلى انه منذ عام 1810 إلى 1945 , وتحت تأثير المذهب الوضعي والعلوم الاجتماعية, عرف القانون الجزائي للأحداث تطورا عميقا باتجاه “التربوية”, في حين أن الدولة كانت تهتم بحماية الأطفال المتعرضين لسوء المعاملة.

مع النمو الاقتصادي السريع بين 1945 و 1973 ازداد, حسب دراسات علماء الاجتماع المنصبة على هذا الموضوع,  نسبة الجنوح وبينها جنوح الأحداث. وعرفت هذه الفترة, فيما يتعلق بالأحداث الجانحين, تطبيق المعالجة الجسدية والنفسية بهدف تحسين السلوك, وكذلك المعالجة المهنية, أي تمكينهم, بعد مرحلة الدراسة والإعداد المهني, من الحصول على وظيفة وعمل لتحسين مستواهم المعيشي. والمعالجة التربوية بهدف الإدماج في البناء الاجتماعي. ( Roché, la délinquance des jeunes, Seuil, 2001, p.16).

فكرة إعادة التربية في الميدان القضائي ارتبطت ارتباطا وثيقا بمفهوم المراقبة والنأي بالحدث عن الأوساط الاجتماعية والعائلية المتهمة بالمسؤولية عن الدفع إلى جنوح الشباب. وعرفت الفترة ما بعد 1968 , بشكل خاص, إعادة التفكير ودراسة السائد من المفاهيم التربوية, وصاحب ذلك عودة التيار الجزري  répressif  في السبعينات والثمانينات والذي سجل خيبة الأمل في النموذج التربوي المبني على الإدماج المهني. وتم الانتقال من التربية المراقبة إلى الحماية القضائية. وقد عرفت الفترة من 2002 إلى 2007 إصلاحات عميقة أدت إلى تطوير قضاء الأحداث وأعادت بناء النظام القضائي الفرنسي للأحداث على مفهوم الوقاية من الجنوح وعلى حماية الطفولة.

فقانون 5 مارس 2007 المتعلق بحماية الطفولة  من الجنوح أخذ بمبدأ الرد المنظم على كل الأفعال الجنحية المرتكبة, وأقام نظام المثول المباشر  immédiate comparution   للحدث الجانح أمام محكمة الأحداث. ونوع العقوبات التربوية التي يمكن أن تتخذها محكمة الأحداث ضده. فقد حمل القانون المذكور إصلاحا ثلاثيا: 1 ـ ترسيخ مبدأ الوقاية  prévention , 2 تعزيز وسائل الإنذار والتحذير من الأخطار المهددة للأحداث. 3ـ تنويع طرق التدخل لدى الأطفال للاستجابة لاحتياجاتهم. (الجريدة الرسمية 6 مارس 2007 ص. 4215 ).

و لا بد من الإشارة إلى أن تطور النظام القضائي الفرنسي للأحداث اخذ في اعتباره التزامات فرنسا بالاتفاقيات الدولية بهذا الصدد, وبشكل خاص الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل بتاريخ 20 نوفمبر 1989 والتي اشرنا إليها في الجزء الأول من هذا المقال.

 

ـ قاضي الأحداث  juge des enfants:

قاضي الأحداث في فرنسا قاض متخصص في مسائل الطفولة. فما كادت الحرب العالمية الثانية أن تضع أوزارها حتى رأت الحكومة المؤقتة إن من بين القضايا المستعجلة جدا وضع مشروع قانون لحماية الطفولة, يوضح الإجراءات الواجب إتباعها عند اقتياد الأحداث أمام القضاء, “ففرنسا ليست غنية بالأطفال حتى تتجه لإهمالهم وعدم صب كافة جهودها لرعايتهم والعناية بهم”. وجاء أمر 2 فيفري 1954 لوضع القاعدة الأساسية الحالية لقضاء الأحداث وميزه بعمق عن القانون الجزائي للبالغين. وركز بوضوح لا لبس فيه على أولوية التربية على الزجر. وأشار إلى أن الحدث الجانح هو قبل كل شيء كائن في طور النشوء والتكون. وأسس مبدأ  قرينة عدم المسؤولية, فيمكن للطفل البالغ من العمر 7 إلى 8 سنوات عند خرقه القانون أن يجيب على أسئلة القاضي. ويستطيع هذا الأخير عقابه ولكن فقط باتخاذ تدابير تربوية. و ابتداء من سن 13 عاما يمكن أن يتعرض للعقوبة الجزائية.

وعليه أصبح الأحداث الجانحون يمثلون أمام قضاة متخصصين, ومحاكم متخصصة هي محاكم الأحداث. والمحاكم الجنائية للأحداث.

وكان أمر 23 ديسمبر عام 1958 قد وسع سلطات قاضي الأحداث,  وأعقب ذلك تطور كبير في مجال التخصص. وحدد له اختصاصين : 1ـ الاهتمام بالأحداث ممن هم في خطر. 2ـ الاهتمام بالأحداث الجانحين. وفي الحالتين يقوم بتحديد القضية وحصرها, ثم يحدد بعدها الحل الواجب والملائم لها, كل ذلك بالاعتماد على المصالح   services الاجتماعية المتخصصة ومساعدتها.

يمارس قاضي الأحداث مهامه في الدائرة القضائية للمحكمة الابتدائية الكبرى التي يعمل فيها. ولكن مهامه القضائية لا تقتصر فقط على هذا القضاء. فهو يمارس مهاما قضائية في شؤون أخرى, ضمن اختصاص المحكمة الابتدائية الكبرى, و محاكم الجنح. وهو قاض منفرد متخصص في مسائل الطفولة في المواد المدنية والاجتماعية والجزائية.

قد يكون تدخله مثير في المواد المدنية عند ما تكون صحة الحدث الجسدية أو النفسية في خطر. أو عندما تكون شروط تربيته غير ملائمة بشكل كبير. وي

المزيد


في الحماية القضائية للطفولة. 1/2

يوليو 26th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

مدونات مكتوب - اضف ادراجا جديدا.

أي مستقبل لأمة لا رعاية ولا حماية فيها للطفل, ولا حقوق ولا مفاهيم عصرية للطفولة ؟ أي مستقبل للطفل يمكن التأسيس له دون سياسة متكاملة تطال كل الميادين والمجالات التي تتعلق بنشأته وحمايته وتطويره جسديا ونفسيا, حاضرا. سياسة برؤى وأبعاد مفتوحة, تترك له, بالغا, دوره في بناء هذا المستقبل, دون قطيعة كاملة مع ما يمكن أن يكون ايجابيات موروثة من الأجيال التي سبقته, ودون خضوع وخنوع لكل ما قررته له وعنه, تلك الأجيال, بمفاهيم وعادات وتقاليد, لم تتطور عبر مسار الأجيال  .

 لا شك أن سياسة بهذا المعنى لا تقوم إلا في الدول المستقرة على مبادئ القانون والمؤسسات ذات الأنظمة الديمقراطية وحقوق الإنسان. فلا يمكن تنمية وحماية الطفل والطفولة في دول الأطفال فيها دون طفولة. والبالغون من الجنسين تحت الوصاية والقوامة, في مجال المشاركة في بناء مجتمعاتهم ورسم السياسات الهادفة لتطويرها وتحديثها, وإلا كان الحديث بهذا الصدد خطبا آنية, وقصائد المعية, ومواعظ شفهية, وحِكَما ممن لا يملكونها لمن لا يصدقونها. الحديث بهذه الذهنية لا يزيد عن كونه ترويج شعارات بعيدة عن الواقع ومجرياته, وعن العصر ومعطياته, وكأن المخاطب هو “الآخر” القاصر قصورا مطلقا, والمنظور إليه على انه مجرد موضع للتلقي, قابل للتصرف به كالأشياء, وليس طفلا له طبيعة إنسانية, ومكانة اجتماعية, وشخصية قانونية, وأهل للحق, وان كان يمنعه القانون في مرحلة عمرية معينة من ممارسة بعض الحقوق المقتصرة على البالغين.

سوف لا نتطرق للمشاكل الاجتماعية, والاقتصادية, والتربوية, التي يعاني منها الأطفال في أسرهم مجتمعاتهم, ولا للمفاهيم الفلسفية والسياسية للطفولة, ولا لحقوق المرأة ودورها في المجتمع, وارتباطها بشكل خاص بحقوق الأطفال والطفولة.. ولا لدور الدولة والمؤسسات المتخصصة . فهذا فوق طاقة وإمكانية مقال أو مقالات مهما تعددت, أو كاتب أو مجموعة كتاب وكتب, إنها مسائل كل منها لها تاريخ, وضاربة في عمق التاريخ, وامتداد في بعض وجوهها له, تبحث عن حلول واقعية صالحة لعالم اليوم وبأفاق مستقبلية. مكتفين, طالما حصرنا موضوعنا بالحماية القضائية للأحداث (ليس بالمفهوم الضيق للحماية القضائية), بالإشارة المختصرة والسريعة لما ذهب ويذهب إليه القضاء في بعض دول أوروبا الغربية, كمثال. ( على أمل أن نكتب نحن أو أحد من جيلنا, إن كتب الله لنا عمرا مديدا جدا جدا, أو يكتب احد من أجيال الطفولة الحالية, أو من أجيال لم تقدم بعد لعالمنا  ــ وهذا الاحتمال الأخير هو الأقرب للحقيقة المستنتجة من قراءة واقعنا ــ شيئا عن ولادة قضاء أحداث فعلي يساهم في بناء نشء سليم آمن في منطقتنا العربية (وفي كل الأحوال ليس قبل أن يخرج القضاء, بكل أنواعه ودرجاته, من واقعه الحالي ويصبح قضاء نزيها لا يحمر خجلا عند الإشارة إليه,  وتخرج  النصوص الدستورية والقانونية, المحنطة بتقنية فرعونية, إلى مجال العمل والتطبيق والسيادة).

عرف قضاء الأحداث, في غالبية دول أوروبا الغربية, منذ مطلع القرن العشرين والى اليوم, العديد من التغيرات والتحولات, بحيث أصبح, في جزئه الجزائي, قضاء خاصا مستقلا استقلا ذاتيا عن القضاء الجزائي للبالغين. قضاء يعمل ضمن مبادئ التضامن والتسوية والمساعدة والمراقبة, ويقام غالبا في مكاتب قضاة الأحداث المتخصصين في هذا المجال. قضاء اقل صرامة في إجراءاته من قضاء البالغين, لإعادة تأهيل وإدماج وإدخال الجانحين في الحياة الاجتماعية من بابها العريض. كما عرفت الطفولة في القرن نفسه فترات مؤلمة وبشكل خاص في ألمانيا النازية , واسبانيا في عهد فرانكو ,حيث فرضت الايدولوجيا الشمولية مفاهيمها على المجتمع, وتربية النشء على ما يُعرف  “تربية بالعقاب”, لإعداده عند البلوغ, لحمل شعلة هذه الايدولوجيا.

 لا يتضح بشكل جلي ما وصلت إليه الطفولة وقضاء الأحداث في أوروبا في أيامنا هذه, إلا بعد التذكير بالتالي:

في روما القديمة كان رب الأسرة يتصرف بشكل مطلق بالنساء والأطفال والعبيد. ويقرر بإرادته المنفردة القبول بأبنائه, أو التخلي عنهم. ومع ذلك, وبشكل عام, كان الروماني يتفاخر بعدد أولاده, الذكور منهم, لأنهم وحدهم من سيخلد ثقافة الأجداد والأصول. وكان على الأبناء الخضوع الكامل للآباء. ولم يكن هناك سن محدد للبلوغ.

رغم تبعية الأبناء المطلقة لآبائهم فان القانون الروماني لم يكن غير مهتم بحقائق التطور الإنساني, وقد فرق بين 3 فئات من الأطفال غير البالغين impubère  . الطفل. والصبي, والمراهق. فحتى سن السابعة لا تترتب أية مسؤولية قانونية على الطفل. بعد تلك السن يستفيد الحدث الجانح, الذي لا يمكنه الترافع عن نفسه أو غيره, من الظروف المخففة للعقوبة. ( Pierre PEDRON, droit et pratiques éducatives de la protection judiciaire de la jeunesse, Gualino ).

عرفت القرون الوسطى تغيرا أساسيا, عما جاء به القانون الروماني, فأصبح على الأب واجب إطعام ورعاية, وتربية أبنائه. ومن الناحية القانونية جرى التفريق بين مرحلتين من الطفولة : المرحلة الأولى من الولادة إلى سن السابعة . المرحلة الثانية تبدأ من دخول المدرسة وتعلم مهنة, وتنتهي بالبلوغ الذي هو 12 عاما بالنسبة للبنات و 14 عاما بالنسبة للذكور. بعد هذا السن يصبح الشاب مسؤولا عن تصرفاته. وجنائيا نص أمر صادر عام 1268 على إمكانية خضوع الأطفال لعقوبات جسدية.

في القرن السابع عشر بدأت المدرسة تحل محل الاكتفاء بتعلم المهن الكلاسيكية. وكانت تفرض أنظمة صارمة على الأطفال تتضمن عقوبات جسدية وتأديبية  بهدف تربية الطفل, وصولا إلى حبسهم في المدارس الداخلية. وعرف مفهوم الأسرة في القرن 18 تحولا كبيرا. فلم تعد هذه مؤسسة قانونية فقط, تمنح الطفل الاسم والميراث, ولكن أصبحت مطالبة أيضا بتزويده بالأخلاق السائدة وإعداده للمستقبل. تواصل هذا التطور طلية القرن المذكور . وتركزت الأسرة حول الطفل. ولكنه مع ذلك بقي يعتبر قاصرا إلى سن الثلاثين. ولا يستطيع الزواج دون موافقة الأب . وتستمر السلطة الأبوية عليه كاملة حتى بعد الزواج.

 أما التطورات التي نشأت عن الثورة الفرنسية  ومفاهيمها, وما تبع ذلك في هذا المجال, فسوف نشير إلى بعضه عند الحديث عن النظام القضائي الجزائي الفرنسي للأحداث.

اعتبارا من النصف الثاني للقرن العشرين تعزز بشكل كبير التوجه للاعتراف بحقوق الطفل, وحقوق المرحلة الأولى من البلوغ. وهذا ما أبرزته  قرارات المجلس الأوروبي, وقرارات الأمم المتحدة, في المطالبة بوضع آلية للحماية القضائية الخاصة للأحداث. فالاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية لعام 1950 وميثاق الأمم المتحدة المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966,  والاتفاقية المتعلقة بحقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة في 20 نوفمبر 1989, والتي وقعتها كل الدول الممثلة في المنظمة المذكورة, عدا الولايات المتحدة الأمريكية والصومال, وهي الأولى الحائزة على صفة الإلزام القانوني تذهب في هذا الاتجاه. حيث أعلنت المادتين 37 و 40 منها بان الهدف الأول لقضاء الأحداث هو من طبيعة تربوية, وبان للطفل الحق في احترام كرامته الإنسانية. وان يتمتع بكل الضمانات الأساسية في كل المراحل الإجرائية ال

المزيد


في حق جمع الشمل (فرنسا) Regroupement familial

يوليو 26th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

مدونات مكتوب - اضف ادراجا جديدا.

موضوع حق «لم الشمل” أو “التجمع العائلي” في فرنسا, موضوع كنا قد تعرضنا له سابقا من جوانب عديدة, ونرى من المفيد العودة إليه هنا نزولا على رغبة العديد ممن يراسلنا بهذا الصدد, ليس للحديث عن تاريخه وجوانبه الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية.. , وإنما للوقوف على التنظيم القانوني له, وبالتحديد حسب “قانون دخول وإقامة الأجانب وحق اللجوء.  Code de l’entrée et du séjour des étrangers et du droit d’asile ” . منشورات الجريدة الرسمية لعام 2009.

إضافة للتوضيح بالعرض القانوني, يجد القراء, أو المعنيون, ما يمكن أن يكون ردا غير مباشر على ادعاءات البعض ـــ من أصحاب الرؤوس الحامية جدا في الهجوم على الاستعمار والعنصرية في الغرب وكل ما يصدر عنه, حتى ولو كانت حقوقا للمهاجرين, والباردة جدا إلى درجة التجمد فيما يخص قضايا المواطنين والمغتربين في بلدانهم عينها ـــ في كتابات تفتقد كليا للموضوعية, فتضلل الكثيرين بتقديم معلومات مستندة إما على التفسير الخاطئ, أو الإساءة المقصودة المنطلقة من خلفيات إيديولوجية أو سياسية, أومن رغبات شخصية في الكتابة, مهما كان نوعها, وفي النشر أينما كان موقعه, لشهرة, أو بعض شهرة ولو مزيفة, متناسين أن المتضرر الوحيد من كل هذا هو الإنسان المهاجر, الذي لم يجد له حياة آمنة, وكرامة مصونة في بلده, فراح, طوعا أو إكراها, يبحث عنهما في بلدان الآخرين. ومع ذلك لا يجادل احد في أن الكتابة حق للجميع , ولكن التجني والإساءة والغوغائية ليست من أصول الكتابة المسؤولة.

خصص الفصل الرابع من قانون دخول وإقامة الأجانب وحق اللجوء, عنوانه الأول للم الشمل. فأعلنت المادة L.411-1 أن : الأجنبي المقيم بصفة نظامية في فرنسا منذ 18 شهرا على الأقل, ويحمل بطاقة إقامة, صالحة لمدة لا تقل عن العام , بمقتضى القانون الداخلي, أو بمقتضى الاتفاقات الدولية, يمكنه طلب الاستفادة من حق لم الشمل بالتحاق زوجته به (أو زوجها بها) إذا كان هذا الأخير, أو الأخيرة, يبلغ أو  تبلغ من العمر18 عاما على الأقل, وكذلك للقاصرين من أبنائهما الذين لم يتجاوزوا سن 18 عاما.

وتنص المادة  L. 411-3 على انه يمكن منح حق لم الشمل لأبن احد الزوجين البالغ 18 عاما, المستفيد من حق الحضانة والرعاية, بمقتضى حكم قضائي صادر عن محكمة أجنبية. ويجب إثبات ذلك بصورة عن هذا الحكم, وكذلك تصريح الزوج الأخر بالسماح للابن المعني بالسفر للعيش في فرنسا.

تشترط المادة  L. 411-4 بالابن الذي يمكنه الاستفادة من حق لم الشمل توافر أحكام المادة L. 314-11 ( حسب هذه المادة يمنح المستفيد بطاقة مقيم  carte de résident بحكم القانون , إلا إذا كان هذا الأخير يشكل تهديدا للنظام العام.  ..). ونصت الفقرة الثانية من هذه المادة على أن يشمل طلب لم الشمل كل أفراد الأسرة المعينين بالمادة L. 411-1  , إلى انه من الممكن قبول طلب لم الشمل (الجزئي), أي غير الشامل لكل أفراد الأسرة, إذا ما كان ذلك في مصلحة الأبناء المعنيين.

لا يمكن رفض طلب لم الشمل إلا لأسباب حددتها المادة L. 411-5 :

1ـ حالة عدم توفر مصدر مالي ثابت وكاف عند طالب لم الشمل يمكنه من توفير الاحتياجات المادية لعائلته, تؤخذ في الحساب كل مصادر المعني وزوجته, ولكن مبالغ المساعدات العائلية, وكل المساعدات الأخرى المنصوص عليها في المادة  L . 262-1 من قانون العمل الاجتماعي والعائلي إلى المادة L. 815-1 من قانون الضمان الاجتماعي, والمواد  L.351-9, L.351-10, L.351-10-1,   من قانون العمل. على أن يصل الدخل إلى مبلغ يتلاءم مع احتياجات الأسرة حسب عدد مكوناتها. وقد حدد قرار لمجلس الدولة في المادة L. 441-1 المبلغ بجعله مساو, على الأقل ,للحد الأدنى للأجور الشهرية.

 هذه الأحكام لا تطبق على طالب لم الشمل, البالغ, الذي يستفيد من مساعدات تعود للإعاقة حسب أحكام المادة  L.821-1 من قانون الضمان الاجتماعي. أو المساعدة المكملة المنصوص عليها في المادة L. 815-24 من القانون المذكور.

2ـ حالة عدم توفر مسكن يمكن اعتباره عادي بمعايير المنطقة التي يسكن آو سيسكن بها طالب لم الشمل عند تقديم الطلب, أو في التاريخ المحدد لوصول أسرته إلى فرنسا.

3ـ حالة عدم توافق طالب لم الشمل مع المبادئ الأساسية لقوانين الجمهورية, واحترام أسس الحياة العائلية في المجتمع الفرنسي.

و يمكن أن يستثنى من لم الشمل, حسب المادة 411-6 :

1ـ عضو من العائلة يعتبر قدومه إلى فرنسا تهديدا للنظام العام.

2ـ عضو من العائلة مصاب بمرض مسجل في اللائحة الدولية للأمراض.

تنص المادة L.411-7  على انه في حالة كون الزوج طالب لم الشمل, متعدد الزوجات, ومقيم في فرنسا مع زوجته الأولى, فانه لا يستطيع استقدام الزوجة الثانية , إلا إذا كانت الزوجة المقيمة معه قد توفيت, أو جردت من حقوقها العائلية, ولا يُعترف لأبنائه (من الزوجة الأخرى)  بحق لم الشمل.

يُرفض طلب بطاقة الإقامة للزوجة الأخرى. وتسحب بطاقتها إذا كانت قد تحصلت عليها. كما تسحب بطاقة إقامة الزوج متعدد الزوجات الذي استقدم زوجته الأخرى أو أولاده الآخرين للعيش م

المزيد


البرلمان الأوروبي

يوليو 26th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

مدونات مكتوب - اضف ادراجا جديدا.

انتخبت أوروبا نواب برلمانها. وانتخب اللبنانيون نواب مجلسهم النيابي في 7 حزيران/جوان 2009. ولسنا هنا بصدد المقارنة بين المجلسين ومهامهما وطرق الانتخاب لكل منهما… لا جديد ولا غريب في أن تنتخب أوروبا مؤسساتها ديمقراطيا. ولكن أن تجري  انتخابات بشكل ديمقراطي وصحيح (من حيث الشكل والإجراءات دون الإشارة للمضمون, فهذا شأن آخر ويمكن الحديث عنه في مقال أخر)  في “بقعة  وحيدة في المنطقة العربية ” بقعة ضوء”, وان يندفع المواطنون إلى صناديق الاقتراع دون اصطدام, وان تعلن النتائج دون اقتتال, وان يعترف الخاسر بخسارته, ويكبت الرابح, إلى حد المستطاع, فرحته لعدم إحراج أو إثارة منافسه, هذا هو الخارج عن مألوف هذه المنطقة وقوانينها واعرفها, وهو الحدث الغريب و غير المصدق في غير تلك البقعة الصغيرة, الاستثناء, النيرة والمستنيرة, في منطقة مترامية الإطراف من المحيط إلى الخليج. وهي بعينها البقعة المراد, وبكل الوسائل, منع أي تسرب لقبس من نورها للجوار القريب والبعيد, جغرافيا وزمنيا, وصولا إلى إيران وتجاربها الانتخابية, وبشكل خاص انتخابات الرئاسة في يومنا هذا.

 ما نريد عرضه بهذه المناسبة هو فكرة موجزة عن البرلمان الأوروبي: النشوء, والتنظيم, والاختصاص.

 مؤسسة تطورت عبر مراحل مسيرة بناء الاتحاد الأوروبي بعقلانية وواقعية سياسية, وضمن آمال مستقبلية في تعزيز الديمقراطية في الاتحاد ودوله, وخدمة المصالح المشتركة للشعوب الأوروبية. وتقوية الدور الأوروبي في السياسة الخارجية.

واستطرادا نراه هنا مبررا, من حق القارئ العربي التساؤل عن أسباب نجاح الآخرين, وعن فشل توجهات المسيرة المعاكسة, التي عرفتها و تعرفها المنطقة العربية  الساعية دولها دون توقف إلى التباعد وتكريس الانقسام بينها, والموصلة, إذا ما استمر قادتها في النهج الاستبدادي الدكتاتوري, إلى تقسيم الدولة الواحدة إلى دويلات,  والشعب إلى شعوب متنافرة ومتناحرة, تصل إلى الاقتتال أحيانا. ( الم تدوي, على سبيل المثال, في سماء العراق طيلة عقود طويلة, شعارات داعبت أحلام  الملايين من المواطنين العرب, وقُتل الآلاف ممن لم يرددوها, والآلاف ممن رددوها : امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. وحدة حرية اشتراكية؟ هل سجلت سياسات العراق خطوة واحدة في اتجاه الحرية أو الاشتراكية, أو الوحدة العربية, أو الوحدة الداخلية الحقيقية الرضائية لشعبه, وهل سيستطيع هذا البلد بعد كل شيء الحفاظ على وحدته كدولة ؟).  

 البرلمان الأوروبي, موضوع السطور التالية, منذ نشأته والى اليوم, مؤسسة, على أهميتها, غير معروفة الدور والاختصاصات بما فيه الكفاية عند عدد كبير من المواطنين الأوروبيين. فحسب تصريح ألان لاماسور النائب في البرلمان المذكور, لا يقوم الإعلام, باستثناء بعض الصحف المكتوبة, بالحديث عنه والتعريف به. فالفرنسيون لا يعرفون جيدا الاتحاد الأوروبي وبرلمانه. وعليه فان التصويت لانتخاب النواب ليست له أهمية كبيرة بالنسبة للمواطن العادي, لأنه لا يراه ماسا بمصالحه المباشرة وتحسينها.

من المعلوم أن الجماعة الأوروبية أنشأت, عام 1952 , جمعية عامة مؤلفة من 78 عضوا قادمين من برلمانات ست دول مؤسسة للجماعة الأوروبية للفحم والفولاذ CECA . ومع نشأة الجماعة الاقتصادية الأوروبية CEE عام 1957 أخذت الجمعية البرلمانية الأوروبية اسم, البرلمان الأوروبي, ومنح سلطة استشارية عام 1962 .

 ابتداء من عام 1979 أصبح أعضاء البرلمان ينتخبون مباشرة, وبالاقتراع العام, من قبل شعوب دول أعضاء الاتحاد الأوروبي, لمدة 5 سنوات. وقد رفعت معاهدة نيس عام 1994 عدد نواب البرلمان إلى 732.  ليرفع هذا العدد إلى 788 عام 2004 .

في أول جانفي/كانون ثاني 2007 تقرر أن يكون عدد نواب البرلمان المذكور 785 يمثلون 27 دولة هي أعضاء الاتحاد.

بين 4 و 7 حزيران/ جوان 2009 انتخب 375 مليون مواطن أوروبي 736 نائبا يمثلون حوالي  500 مليون من سكان الاتحاد, وذلك لولاية تصل إلى عام 2014 .

البرلمان هو المؤسسة الوحيدة في الاتحاد التي ينتخبها المواطنون بالاقتراع العام المباشر.وتنص المادة 14-2 من معاهدة ليشبونة  Lisbonne على أن يكون عدد النواب 750  نائبا + الرئيس, عام 2014 . وتمثيل المواطنين فيه يقوم على النسبية.

يترك لكل دولة عضو في الاتحاد حرية اختيار طريقة الانتخابات, ولكن ضمن شروط معينة سلفا. كما يمكن للدول المرشحة لعضوية الاتحاد إرسال مراقبين للبرلمان, ولهؤلاء حق المشاركة في المناقشات دون حق التصويت, ودون حق ممارسة الوظائف الرسمية. وعندما تحصل الدولة المرشحة على العضوية الكاملة يصبح مراقبوها في البرلمان نوابا كغيرهم, إلى حين الانتخابات النيابية القادمة.

عدد المقاعد المخصصة لكل دولة عضو في الفترة الحالية, من 2009 إلى 2014:

المانيا                         99               ــ                هنغاريا                      19

                                                                   النمسا                       18

بريطانيا                       78               ــ                بلغاريا                       18

فرنسا                         78               ــ                سلوفاكيا                     14

ايطاليا                        78                ــ               الدنمرك                      14

اسبانيا                       54                ــ                فنلندا                        14

رومانيا                      35                ــ               ايرلندا                        13

هولندا                       27                ــ                ليتوانيا                      13

بلجيكا                        24               ــ                 سلوفانيا                     7

اليونان                      24               ـــ                 استونيا                      6

البرتغال                     24               ــ                 

المزيد


التالي