في القضاء.
محكمة النقض الفرنسية
لا يبني طاغية دولة قانون. ولا يتوقع ذلك منه حصيف. ولا تقوم, طويلا, على ركائز الاستبداد, دولة تحمل "بذور فنائها" بداخلها. ولا تسمو إلى مصاف الدول المتحضرة العصرية تلك التي تقطع مع الفكر الإنساني وتجارب الشعوب, تعصبا أو تميزا أو خوفا, تحت شعار التميز العرقي أو الديني, و تحت وهم الاختيار والاصطفاء من بين الشعوب والأمم. وتلك التي تقتطع حاضرها عن ماضيها, بترا. أو تفهم تاريخها بعكس منطق التاريخ. أو تحنطه كمومياء فرعونية. أو تصوغه كما يحلو لأهواء "مؤرخيها" أو كتبة التاريخ بانتقائية: تقديسا أو تنجيسا. تعظم أبطالها إلى درجة فصلهم عن البشر وإدخالهم الأساطير وعوالمها. تلغي أدوار أجيال بكاملها في صناعة التاريخ, لتجعله وقفا على البطل الأسطورة. وتتقاتل وتتصارع من اجل أن يبقى البطل بطلا وأسطورة. ترمي مفكريها بالكفر والإلحاد والخيانة و الزندقة والتحريف, وترهب من يحاول أن يلج ميادين الفكر الحر. ولا تعيد بأي حال من الأحوال الاعتبار لمن ثبت صواب رأيه بعد رجمه خطأ وظلما بكل أنواع الراجمات, وتستمر في الرجم رغم انتصار الواقع للمرجوم وتسخيف راجميه.
مفاهيم وممارسات الأنظمة الدكتاتورية, الشمولية, المستبدة, للدولة وفي الدولة, لا تستقيم مع ما خلقه الله من تعددية وفوارق بين البشر, في الجنس واللون والتفكير والميول والأهواء .. (إذا ما توجه الخطاب للمؤمنين بأنواعهم), أو مع ما أوجدته الطبيعة من تنوع واختلاف فيها وفي مكوناتها (إذا ما توجه الخطاب لأنصار الطبيعة, من غير المؤمنين بأصنافهم, ومن يشار إليهم بالعلمانيين) , أو ما اكتسبه الإنسان من تجارب وخبرات في صراعه مع الطبيعة ومع الآخر من اجل البقاء, ( إذا ما توجه الخطاب معمما للمؤمنين, وأنصار الطبيعة من غير المؤمنين, بما فيهم العلمانيين المتهمين بالضلال وبعدم الإيمان,), وصولا إلى اقتناعه, عبر التاريخ, عن طيب خاطر أو مرغما, بضرورة بناء مجتمعات والعيش الآمن فيها مع الآخر وبمساندة الآخر. وبناء دول تؤطر هذه المجتمعات, وتحمل تناقضاتها القائمة على التعددية والاختلاف والتباين في المكونات, لتجعل منها عناصر ووسائل غنى وتفاعل يقود إلى خلق علاقات منفتحة حضارية ترتكز على حقوق المواطنية. وتنظيم وسائل العيش المشترك والتفاهم والأمن والسلام. وصولا إلى المشاركة والتعددية المعبر عنها في السياسة بحرية الاعتقاد والتفكير وتشكيل الأحزاب المجسدة لها, والتداول على السلطة والاعتراف للآخر بحق ممارساتها بكافة أنواعها ودرجاتها… وبناء الكل على قواعد صلبة من تنظيم قاد إليه الفكر البشري المتنور: القوانين, والأنظمة, والأعراف التي ترقى, لقبولها الدائم, لدرجة القانون.
الاستبداد والقمع لإلغاء الآخر و التمايز والتعددية الفكرية أو حتى الفيزيائية (الحروب العنصرية, الحروب الدينية. الاقتتال الطائفي والمذهبي. والقبلي, والاقتتال الحزبي السياسي), وادعاء احتكار الحقيقة, وما يترتب عليه من إقامة أنظمة دكتاتورية استبدادية شمولية, ظلامية, يذهب ضد مفاهيم المؤمنين بخلق البشر أجناسا وشعوبا .. وضد مفاهيم "العلمانيين" وأنصار الطبيعة من غير المؤمنين على مذاهبهم المتنوعة .. وضد الإنسان أينما كان.
على أنقاض الشمولية قامت مفاهيم الدولة الديمقراطية, دولة القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان. بناء مثل هذه الدولة فيه كل شقاء ومتاعب بناء الدولة ــ كما فيه كل آمال شعوبها ــ ويحتاج جهود كل مكونات المجتمعات التي تقع ضمن إطارها, دون استثناء أو إقصاء.
وليس هنا مجال ذكر كل ما يتطلبه هذا البناء, حيث لا يمكن إلا لدعي الإحاطة بما هو ضروري لكل ذلك. ولكن يمكن الإشارة إلى بعض الركائز الأساسية التي يحب أن يقوم عليها البناء السليم الصلب ونخص منها هنا ركيزة أساسية :القضاء. مشيرين للقضاء في تجارب الآخرين للمقارنة والاستفادة. وفي هذا الاتجاه, وضمن هذا الهدف, حاولنا الحديث بإمكانياتنا المتواضعة عن القضاء في مقالات عديدة سابقة. وستكون السطور القادمة لمؤسسة قضائية عتيدة ودورها في بناء الدولة, كمثال :
محكمة النقض الفرنسية.
العمر الرسمي لمحكمة النقض هذه زاد على القرنيين و 19 عاما. ولأننا اشرنا إلى التاريخ, ولان لاشيء دون تاريخ, نرى أن لا بد من العودة إليه في لمحة سريعة لاستشفاف أصول وتطور هذه المحكمة, في مقالة أولى. على أن نعود إلى دور وتركيب وعمل هذه المحكمة, وتكوين قضاتها في يومنا هذا في مقالة ثانية. معتمدين على كتابات قضاة شغلوا مراكز أساسية فيها: رؤساء. ومحامون عامون. ومستشارون. وحقوقيون بارزون.
ابتداء من القرن السادس عشر بدأت تظهر كلمة نقض cassation وتتكرر مع تراجع الأعراف وترسخ القانون المكتوب الصادر عن المراسيم الملكية. وقد وضح الحقوقيون الحالات التي كان يمكن فيها الطعن بالنقض. وميزوه عن الاستئناف العادي في موضوع القضايا العائد البت فيها للبرلمانات. ( وهي المحاكم المعادلة لمحاكم الاستئناف حاليا).
فمرسوم Colbert لعام 1667 الذي استمر إلى آخر عهد النظام القديم عين الإجراءات المدنية التي تعتبر خرق المراسيم الملكية سبب في رفع دعوى الطعن بالنقض. وقد ذكر مستشار الدولة Gilbert de Voisins , 6 حالات لرفع دعوى الطعن بالنقض: العيب في المواد الإجرائية. تجاوز السلطة. مخالفة القرارات ordonnances . مخالفة القوانين الأساسية. مخالفة الأعراف. والتعسف أو الظلم. ( J.-F. Weber. La Cour de Cassation. 2006) . رئيس غرفة في محكمة النقض وعضو في المجلس الأعلى للقضاء).
ويعتبر, فيبر, صعود آلية الطعن بالنقض بقوة في ظل النظام القديم على إنها ترجمة قضائية للعلاقات المتوترة غالبا بين الملك ومجلسه من جهة, وبين المحاكم من جهة أخرى. وقد علق المستشار جولي دي فلور على إن إجراءات الطعن كانت بالدرجة الأولى لحفظ المراسيم الملكية قبل أن تكون لمصلحة المتقاضين. وكان الطعن بالنقض استثنائيا يبت فيه مجلس الملك, وبالتحديد مجلس الأطراف Conseil des parties المنشئ عام 1578.
لم تكن الملكية الفرنسية تعرف مبدأ فصل السلطات قبل مجيء منتسكيو في القرن 18 . فالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية, كانت مجتمعة بشخص الملك. وكان القضاء محجوز له. فهو مصدره. و يتبعه مباشرة كل القضاة وكل المحاكم. وبما انه لا يستطيع إقامة العدالة كاملة بنفسه, فقد فوض جزءا منها لهيئات, بينها المحاكم المحلية. Parlements régionaux. وبذلك اُدخل فارق رئيسي بين القضاء المحجوز والقضاء المفوض. القضاء المفوض هو القض













