إضافات عربية على الديمقراطية

نوفمبر 26th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

أمام مجموعة مخطوطات عربية لابن رشد وابن سينا وابن خلدون معروضة, لمدة شهر, في واجهة المكتبة البلدية لمدينة تولوز في فرنسا, رشقني شاب في السنة الأولى في كلية العلوم السياسية, حينما رأى في وجهي ملامح عربية, بسيل من الأسئلة اذكر منها:

 

ـ  بما تشعر وأنت ترى هذه المخطوطات؟

ـ هل تستطيع قراءتها؟

ـ هل اللغة العربية القديمة باقية على حالها ودون تغير منذ ذلك الزمن؟

ـ هل هي مفهومة عند عرب المشرق وعرب المغرب وعند كافة المسلمين؟

ـ هل تفتخر بأصلك العربي؟

ـ هل ترى في الأفق القريب نهضة عربية؟

ـ لماذا توقف العرب عن أن يكونوا عربا كأجدادهم, وتوقفوا عن إضافة أي جديد مفيد للحضارة الإنسانية؟

 

 لقد كنت سعيدا عند سماعي هذه الأسئلة من شاب يعلم انه كان للعرب مساهمات في الحضارة الإنسانية. ولكن ما أحزنني ونزل دفعة واحدة بلحظة الاعتزاز التي أحسستها لدرجة الصفر, هو سؤاله الأخير, وطريقة طرحه.

 

 ليس للسائل ذنب في ذلك, وإن افترض فيه سوء النية, انه يقرر واقعا, ولذلك لم أطلب منه الاعتذار, ولم أفكر بملاحقته على الطريقة العربية بشتى الوسائل, ليس منها القانونية طبعا. ولم أصفه بأنه من أعداء العرب والمتآمرين عليهم.

 

 ما ألمني, مرة أخرى, أن ليس عندي جواب مقنع للرد. ولغة التهجم والنعت بالأوصاف الشائنة , والتصنيفات الجاهزة, في كل مرة لا نستطيع فيها الرد, والهذر, حتى ولو جاء بأسلوب هادئ ,وتكرار المكرر دون ملل, والإطناب في القول دون قول شيء, أساليب لا يفهمها "الأعاجم". يريدون ردا يدخل العقل عن طريق الإقناع بأساليب علمية وحضارية.

 

    لقد شغلني السؤال كثيرا وأخذت أفكر فيما أضافه العرب حديثا لأبرهن لذلك الشاب بأنهم مازالوا مبدعين. و لكن يجب أن يكون الرد مؤسسا وبالأدلة القاطعة على الإبداع, وفي علم السياسة تحديدا, موضوع اختصاص السائل.

 

    الواقع أن لدي العرب حاليا مفكرين سياسيين لم يستطيعوا فقط استيعاب هذا العلم, وإنما تحدثوا فيه وكتبوا ودرّسوا حتى في الجامعات الأوربية والأمريكية والأسماء كثيرة. وهذا لا يستطيع إنكاره الطالب المذكور.

 

 كما أن الكثير من المفكرين السياسيين الذين يعيشون في بلدانهم العربية ليسوا أقل كفاءة وعلما من زملائهم المغتربين. وإنما ينقصهم المنبر الحر. والوسائل الحرة. والمناخ السياسي الذي يسمح لهم بالتعبير الحر. لئن كانت غالبيتهم قد سكتت طويلا, أو أسكتت, تحت التهديد والملاحقة عن القول والكتابة, فأنها لم تقبل مطلقا ــ ما عدا من يسمون ب (مثقفي ) السلطة ــ  ما تطرحه تلك السلطة من فكر ضحل أحادى الاتجاه عفا عليه الزمن, وفُرض كمنهاج يبدأ مع الطفل من مرحلة الحضانة إلى نهاية الدراسة الجامعية. يُحاسب عسيرا كل خارج عليه. منهج يقدس الحاكم و يعتبره غير مسؤول عن أعماله. وانه أكبر من الوطن. وسيد مطلق للشعب. وليس خادما له. يعليه على الدستور والقوانين. و لا يرضى له أن يكون تحتها وخاضعا لإحكامها. وأية كتابة أو تفكير بغير ذلك يعرض الكاتب أو المفكر لتهمة تحقير رئيس الدولة. أو الإساءة للدولة, وتعريض أمنها للخطر, وللعمالة للعدو. وهذا بطبيعة الحال لا يدرك, كله, الطالب السائل.

 

  والواقع أيضا, انه بعد المتغيرات الدولية التي أعقبت انهيار المعسكر الاشتراكي, و تكريس القطب الواحد, إلى الآن وعلى المدى المنظور على الأقل, وقيام أنظمة حكم جديدة في مشارق الأرض ومغاربها, وتسابق الدول لتبني الديمقراطية كنظام حكم, عن اقتناع بها أو مسايرة للتوجهات الحالية, أخذت السلطات الحاكمة في بعض الدول العربية تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من امتيازات تمتعت بها عقودا طويلة. فبدأت تتحدث عن الخيار الديمقراطي. (فقد أعلن احد حكام هذه المنطقة بأنه إذا لم نحلق بأنفسنا سيُحلق لنا).

 

 ومنه جاءت لحظة المساهمات العربية في تطوير الفكر السياسي ــ ولأننا نريد الرد على الطالب السائل نحصر هذا الرد دائما في مجال تخصصه, السياسة. فلا نذكر له المساهمات في المجالات الأخرى ــ ليست بطبيعة الحال مساهمات الشعوب. فهذه مغلوبة على أمرها لا تشارك ولا تساهم حتى في إدارة أمورها الخاصة جدا. فما بالكم بالمساهمة في تطوير الحضارة الإنسانية. المساهمة المقصودة هي أفعال وأقوال الناطقين, باسم تلك الشعوب من المحيط إلى الخليج. المفكرون عنها ولها.

 

  ومنه أيضا جاءت  الابتكارات في تطوير المفاهيم الديمقراطية. وتقديم أنماط مبتكرة حصرا, وإضافات عليها, لم يسبقهم إليها أحد منذ عهد افلاطون والى يومنا هذا.  

 

      مساهمات في بناء الحضارة الإنسانية تأتي من حكام عرب على قدرة خارقة رغم أن غالبيتهم لم تكمل التعليم الثانوي, حتى لا نقول الابتدائي. وهذا بحد ذاته  دليل على الإبداع. وعلى أن الإبداع لا يأتي بالضرورة من العلم والتعلم, فقد يأتي بالفطرة, أو بالوراثة, والموهبة , كالشعر, ومثاله شعراء الجاهلية.

  

   وللسائل نسوق, وبدون كبير عناء, من الإبداع ما عاش منه طويلا  ــ تاركين ما سقط , ليس  بسبب ضحالته, لا قدر الله, وإنما بسبب التآمر الاستعماري, الغربي, الصهيوني, الدولي, وحتى الداخلي العميل , وتضافر جهود كل أعداء العرب والمسلمين ضده ــ  

المزيد


أطفالنا. تغيرت المهن وبقيت المهانة

نوفمبر 24th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

من وحي زيارة مشروطة للوطن.

من مقهى حديث الافتتاح, مطل على شارع رئيسي في بلدي, الذي لم أزره إلا مرتين بعد أكثر من 35 عاما من الاغتراب, شارع كان يومها الرئيسي والوحيد في المدينة. كنت أعبره ذهابا وإيابا مرات عديدة يوميا. فيه وعبره تمر كل نشاطات المدينة  وفعالياتها. انه عندنا أغلى من الشانزاليزه عند الفرنسيين. من هذا المقهى, والمقاهي نادرة في مدينتنا, كانت جلسات استعادة الذكريات, فكلما سنحت الفرصة, استرق بعضا من الوقت في غفلة من الأصدقاء والأهل والمعارف للهروب من بعض الواجبات الاجتماعية التي تفرضها العادات والتقاليد على المغترب, للخلوة بنفسي واستحضار الماضي وذكريات الطفولة والدراسة الإعدادية والثانوية, وهل هناك في حياة الإنسان مرحلة أعز على القلب من تلك المرحلة مهما طال الزمان وبعد المكان؟. إنها المرحلة التي ستؤثر في بناء شخصية الإنسان لاحقا.

 في بلداننا تتلاعب بنا الصدف وللأقدار, وتأخذنا في كل اتجاه وصوب, وقد تبعدنا إلى حيث لم نكن نتوقع. إلى ما وراء البحار. قد يطول اغترابنا وصولا إلى أواخر مراحل الشباب, وللكهولة, وحتى الشيخوخة, وقد يلقى البعض وجه ربه الكريم غريبا دون أن تكتب له العودة. ولو لمرة واحدة ليرى الوطن بمن فيه وبما فيه.

من وراء واجهة المقهى المذكور, في الطابق الأول, كنت أرى المارة في زحام وتدافع بمعدلات غير مسبوقة, وبوجوه فيها صرامة وثقل الواقع وأعبائه. وهو ما لم يكن عليه الحال في أيامنا الخوالي. كان الكل يلقي يلقي التحية على الكل. يختلط الماضي بالحاضر في مخيلتي. أرى نفسي, وكأنها البارحة. طالب قروي قادم إلى إعدادية المدينة والى ثانويتها لاحقا. وأتذكر الطلبة الآخرين من قريتنا والقرى الأخرى. كنا وقتها محل تهكم أبناء المدينة باعتبارنا قرويين, رغم انعدام الفوارق الكبيرة بين قرانا والمدينة المذكورة. كأننا قادمين من دول الجنوب المتخلف إلى دول الشمال المتطور. وكان رفضنا حينها لنفس أسباب رفض الشمال الغني لمهاجري الجنوب الفقير في أيامنا هذه.

كنا عرضة لهجوم متواصل من أطفال في مثل أعمارنا, أو اكبر قليلا, ممن لم تتح لهم الفرص وإمكانياتهم المادية  دخول المدارس. وأجبرتهم ظروف الحياة على امتهان مسح الأحذية (بوياجية) أو حمل أمتعة المسافرين في حافلات النقل الداخلي (عتالة), رغم اعتراض أصحاب الأمتعة الخفيفة التي لا يحتاج صاحبها لمساعدة في حملها, وإرغامهم على دفع مبلغ من النقود يحدده العتّال (الحمال) نفسه بالإرادة المنفردة والنفاذ العاجل. وهذا من أصول المهنة وقوانينها وأدبياتها. ولا يستطيع المسافر أو العائد من السفر, الاعتراض أو المساومة إذا كانت كرامته تهمه.

 كنا نسير مجموعات من الأصدقاء والمعارف حتى لا يتم التفرد بنا في زاوية مهجورة أو طريق منعزل. وما أكثر القصص, وما أكثر الحوادث, وما أكثر الذكريات التي كانت تقفز للمخيلة في الجلسات التذكارية تلك. ( ومع إني لا أريد ذكر طرائف, فليس هنا مكان ذكرها, قفزت بي  الذاكرة فورا إلى حادثة جرت في الزاوية الباقية على حالها, التي يطل عليها المقهى المذكور. كان بطلها من كنا نسميه العتّال الأخضر, لارتدائه خلال سنوات طويلة وفي كل الفصول, قميصا اخضر اللون تحول اخضراره, بفعل الزمن , من غامق إلى باهت جدا, إلى فاقد لكل لون, ومع ذلك بقي فيه بعض ما يذكر بلونه الأصلي, الاخضر. كان المذكور قوي البنية والشكيمة, متعدد المهن: ماسح أحذية, حمال. جاهز لكل عمل يدوي. متقن لأصول المصارعة الحرة يمارسها في كل مكان عند اقتضاء الحاجة ومع من لا يعجبه. ولهذا كله كانت له القيادة والريادة بين نظرائه ــ ما زالت القيادة والريادة للقوة الغاشمة حتى ولو تغيرت الاىسماء والمسميات والمواقع والدرجات ــ أما الضحية فكنت أنا نفسي. كنت يومها عائد من الإعدادية, فاستفرد بي الأخضر المشهور, وأعطاني علبة كبريت فيها عود ثقاب واحد مبلل قليلا, لضعف وقاية جيب القميص المشهور لمحتوياته. أمرني أن أشعل له سيجارته بهذا العود. فان نجحت نجوت, وإلا فالعقاب الشديد واقع لا محالة. حاولت التنفيذ بعد الاتكال على الله, متهيئا في الوقت نفسه لهرب

المزيد


رسالة دكتوراه.

نوفمبر 22nd, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

الوحدة العربية بين المحاولات والواقع . عنوان رسالة دكتوراه في علم السياسة   Science politique لطالب عربي موفد إلى إحدى الجامعات الفرنسية. لم يخطر في ذهن الباحث أن يكون موعد مناقشة أطروحته هذه بعد مباراة كرة القدم بين الجزائر ومصر مباشرة. ولم يخطر بباله أيضا أن لهذا علاقة في موضوعه. لذا لم يحتط للأمر من قريب أو بعيد. فنحن في مجال علم السياسة وليس في ملاعب الرياضة.

كالعادة أُعطي الطالب وقتا معقولا لتقديم أطروحته علنا أمام اللجنة وعلى مسمع من الحضور. فهو غير مطالب بقراءة ما جاء فيها, فلجنة المناقشة كان أمامها مدة شهرين للاطلاع عليها, وإعداد  مالها وما عليها. ثم تقييمها واتخاذ قراراها بشأنها.

في تقديمه, لم يخف الطالب ما اعترضه من صعوبات في بحثه في مثل هذا الموضوع, وفي هذا الوقت الذي تمر به الأمة العربية المتطلعة للوحدة. ولا الصعوبات التي تعترض الطالب الأجنبي في مجال اللغة التي كان يجهلها تماما عند قدومه لفرنسا, واثر ذلك على دقة التعبير والأسلوب ومستواه, وعلى المحتوى بشكل أساسي. فلا تكفي الترجمة الشخصية أو المستعان بها من احدهم أو إحداهن ممن يتقن الفرنسية بدرجة أعمق. وهذا ما تأخذه لجنة المناقشة بعين الاعتبار, فالطالب أجنبي والشهادة مصدرة للخارج.

لسنا هنا بصدد التعرض لما ورد في الرسالة من أفكار ورؤى. إنها جهود كلفت الطالب 5 سنوات من البحث والعمل, وكلفت دافع الضريبة في بلده مبالغ كبيرة, بهدف إعداد باحث خبير سيعد أجيالا ويكونها, إذا وضع قدمه في الجامعة, وسيضعها بالتأكيد, فهو من المبعوثين أولا وأخيرا.

من خلال المناقشة اطلع الحاضرون على الطروحات الأساسية في عمل الطالب. أصل الأمة العربية. تاريخها. ديانتها, والديانات الأخرى فيها. الفكر الوحدوي لدى الأحزاب القومية الوحدوية في مشرق الوطن ومغربه. الأحزاب السياسية المعادية للوحدة أو المناهضة لطرق تطبيقها. المصالح الامبريالية والاستعمارية والشيوعية في إعاقة تحقيقها وضرب مفهومها من أساسه. ضرورة الوحدة وأهميتها.

وقد أشار للتجارب الوحدوية التي عرفتها المنطقة العربية. الوحدة الثنائية بين سوريا ومصر عام 1958 والانفصال بعد 3 سنوات من قيامها. وما تبع ذلك من محاولات وحدة أو اتحاد لم ير أي منها النور. وكان يعزو كل ذلك إلى سياسات الآخرين من عرب وغيرهم, والتدخلات الأجنبية الخارجية, دون التطرق بوضوح أو حيادية لسياسة البلد الذي أرسله لتقديم رسالة  قد تكون مختارة له سلفا.

 رغم تذكير اللجنة له بان الدول العربية مستقلة وذات سيادة منذ وقت طويل. وان أنظمتها السياسية مستقرة منذ عقود. أنظمة قامت و تقوم على التوريث السلمي للسلطة, بدلا من تداولها بالطرق الديمقراطية. وتعد الورثة من الأبناء حتى في الأنظمة الجمهورية. رغم ذلك لم يكل الطالب في إلقاء اللوم كل اللوم على الغير والخارج.

  تبحر, في رسالته, حسب ما بينته المناقشة, في عرض العوامل المشتركة التي تجمع العرب: عامل الأصل المشترك. عامل الدين. اللغة. التاريخ. الأماني والآمال المشتركة. وكل ما بشرت به الأحزاب السياسية الوحدوية في مرحلة معينة, وتخلت عنها لا حقا, دون أن يفطن هو لذلك.

وعقد مقارنة بين أوروبا التي لا تتوفر فيها عوامل الوحدة من لغة, ودين, وأصول, وتاريخ يبين عمق الصراع بين دولها وشعوبها. حروب دينية طويلة, وتنافس استعماري على تقاسم العالم, وعن مسائل أقليات دينية وعرقية ..

لم يكن يتوقع الطالب الذي أسهب في ذلك سؤال أتاه من احد أعضاء اللجنة: ـ السيد الباحث بما تفسر انه رغم كل ما ذكرت من العوامل التي تربط أبناء منطقتكم العربية, وتلك التي تفرق الأوروبيين, قد فشلتم انتم

المزيد


وهم أيضا من دعاة حقوق الإنسان !!

نوفمبر 15th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

 

         من أعجب سخريات القدر, ومن أكثر الإساءات للإنسان وحقوقه, في عصرنا هذا في يومنا هذا, أن تعمد بعض الأنظمة السياسية القمعية, دون أن يندى لها جبين, لإنشاء ما يسمى وزارات لحقوق الإنسان. وان تفكر أخرى, بعد موافقة جنرالاتها, في استحداثها ضمن مجالسها الوزارية. وان تشد على يدها في ذلك ديمقراطيات غربية الإنسان عندها هو إنسانها.

 

  لم يعد من المحرمات الاعتداء على مفاهيم ومبادئ ساهمت البشرية قاطبة, منذ نشأتها والى اليوم, في خلقها وتطويرها, وما زالت تعمل جاهدة لإغناء مضامينها, وتسعى لتأمين تطبيقها في كل أرجاء المعمورة و حيث يوجد الإنسان. و لا تفوّت الأنظمة العربية شرف المساهمة, تقمع الإنسان وتقيم لحقوقه وزارة. وزارة على مقاس تلك الحقوق. حقوق الإنسان العربي بخصوصياته, فالكثير من الحقوق لا تلاؤمه , وأخرى لا حاجة لها بها. وغيرها تضر به  وقد تفسده.

 

       حقوق الإنسان ليست من خلق الإنسان الغربي المعاصر وحده, كما يحاول أن يصور المستخفون بهذه الحقوق عن طريق الغمز من مصادرها, وربطها بالسياسات القديمة للاستعمار, أو الحالية لبعض الدول الغربية, وبشكل خاص أمريكا في سياساتها الجائرة الظالمة المستخفة بكل ما هو غير أمريكي .

 

         من حيث النشأة , ألا تعتبر دعوة ألواح حمو رابي في بابل عام 1750 قبل الميلاد لإقامة العدل  ولحماية الفرد الضعيف من ظلم وتعسف السلطة,  مساهمة مبكرة جدا و سطرا مكتوبا في مدونة حقوق الإنسان التي نقرأها اليوم في النصوص المدونة المتعلقة بتلك الحقوق. وما كتبه مانغ ـ تسي Meng-Tseu , عام 300 قبل الميلاد,  بان الفرد هام إلى درجة غير محدودة , وان شخص الحاكم السيد أقل أهمية. وما أعلنه سوين تسي Siun-Tseu في هذا المعنى بقوله "ما لذي يجعل المجتمع ممكنا؟ أليست حقوق الإنسان؟".  لقد كانت كل المناقشات والحركات الفكرية في تلك العصور تدور حول فكرة العدالة كما كان يراها أفلاطون و فكرة الإنصاف كما كان يدعو لها أرسطو, رغم عدم التطرق لحقوق العبيد, الذين لم يعترف لهم بالمواطنة ـ واعتبروا كمتاع يشترى ويباع ـ فقد اعتبر أرسطو العبودية "ضمن نظام الطبيعة" ومن تدبيرها.  ولم يكن هذا مسلم به على إطلاقه, فقد عرف التاريخ ثورات على العبودية منها محاولة سبارتاكيس Spartacus  لإلغائها فقاد أكبر ثورة عبيد, في تلك العصور, استطاعت الانتصار على الجيش الروماني لمدة عامين, إلى أن تم سحقها بقتل قائدها على يد كراسيس Crassus  عام 71 قبل الميلاد.

 

         أولم تدعو المسيحية, حاملة  مفهوم العدالة, للاعتراف بإنسانية الإنسان وبكونه قيمة كبرى بذاته. وبان البشر جميعا متساوون أمام الله. ولعدم الإقرار بوجود فوارق بين المخلوقات البشرية.. و تحمل دعاتها الأوائل ومعتنقوها للاضطهاد, بسب دينهم الجديد والمفاهيم التي دعوا لها, لمدة 3 قرون. إلى أن جاء الإمبراطور الروماني قسطنطين Constantin  (303 ـ 337 م) واعترف لهم ببعض الحقوق, وخاصة حق العبادة.

 

        أولم يدعو الإسلام ــ  رغم ما وقع على معتنقيه الأوائل من اضطهاد وتشريد من الديار , وخاصة المستضعفين منهم والعبيد  في مجتمع الجاهلية ــ  قولا وفعلا,  لتكريم الإنسان تكريما لا حدود له, و للمساواة بين الناس وعدم التمييز القائم على العرق أو اللون. وإلى التحرر من العبودية. فساهم إلى حد بعيد بترسيخ مفهوم حقوق الإنسان. وهو ما لم يعطه الكتاب المسلمون حقه في كتاباتهم, وتعريف الآخرين به من غير المسلمين, وإيصاله إلى اللغات الأجنبية السائدة. كما لم يشر إليه, بما فيه الكفاية, مؤرخو حقوق الإنسان في الغرب, إما عن تجاهل مقصود أو عن جهل حقيقي.

 

      وفي حين كانت المجتمعات الغربية, في القرون الوسطى, تتكون في غالبيتها من الفلاحين المنشغلين بهموم كسب عيشهم اليومي في ظل ظروف صعبة جدا: حروب طاحنة, فقر مدقع, أمراض وأوبئة متفشية, لم تغب كليا المنادة بالحريات الفردية عن تلك المرحلة.

 

      و بقيت المطالبات بالحريات وحقوق الإنسان, في جوهرها,  حتى عام 1215, مجرد مطالبات و أفكار فلسفية ودعوات دينية  لم تدون في نصوص تأسيسية لحقوق الإنسان. إلى أن ظهر في العام المذكور "العهد العظيم la Ggrande Charte  " في بريطانيا حيث تم الاعتراف بالحقوق والحريات الفردية وضمانها ـ مثل حرية التنقل, قرينة البراءة ـ وفي عام 1679 مع قانون ضمان حريات الرعايا Habeas Corpus تم الاعتراف للموقوف بحقه في المثول مباشرة أمام هيئة قضائية تنظر في قانونية هذا لتوقيف. وفي عام 1689 أعلن الـ Bill of Rights  قواعد الدستور الإنكليزي .

 

      في 4 جويليه / تموز 1776 جاء في إعلان الاستقلال الأمريكي أن الناس يلدون أحرارا ومتساوين. وبان خالقهم منحهم حقوقا غير قابلة للتنازل عنها,  منها الحق في الحياة, والحرية, والبحث عن السعادة. وبان الحكام يعّينون لضمان هذه الحريات. و لا يستمدون سلطتهم وقوتهم إلا من رضاء الشعب ومهمتهم توفير سعادته ورفاهيته.

 

      وسادت طيلة القرن الثامن عشر الأفكار الفلسفية لعصر الانوارles philosophies des Lumaires  الداعية لإقامة مجتمعات مؤسسة على الديمقراطية  تضمن للمواطنين المساواة أمام القانون, والأمن, مع تامين الرفاهية والسعادة.

 

     و قامت الثورة الفرنسية, عام  1789, كرد على الأوضاع السائدة في النظام القديم ومنها عدم المساواة الاجتماعية, وعدم المساواة أمام القانون الضريبي, ودفع الضرائب, حيث كانت تستفيد طبقة النبلاء ورجال الدين, من امتيازات كبيرة وإعفاءات ضريبية.

 

     وأصدرت الثورة المذكورة في 26 أوت / أب 1789  "إعلان حقوق الإنسان والمواطن Déclaration des Droits de l’Homme et du Citoyen " بنظرته الشاملة, الموجهة  للإنسان في كل زمان ومكان, وليس للإنسان الفرنسي فقط. فقد أعلنت مادته الأولى أن الناس يلدون أحرارا ومتساوين في الحقوق. وعليه لم يعد الإنسان يعتبر من رعايا الملك, فهو مواطن في وطنه. وان هدف كل مجتمع سياسي هو الحفاظ على الحقوق الطبيعية للإنسان, وهذه الحقوق هي الحرية, الملكية, ا

المزيد


من تجارب الآخرين في بناء دولة القانون 2

نوفمبر 12th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

محكمة النقض الفرنسية  2/2

تجاوز عمر المحكمة المذكورة القرنين . لم تهرم أو تبدو عليها عوارضه. غادر مؤسسوها الأوائل الحياة منذ قرنين وبقيت المؤسسة. حملتها عبر التاريخ أجيال وأجيال. لم تبق على قيد الحياة لتعيشها, وإنما لتبقى, في المكان والزمان, جزءا من الحياة نفسها فاعلة ومؤثرة ومراقبة وحامية. و دعامة أساسية من دعائم الدولة . الدولة التي عرفت في مسيرتها عبر القرون انعطافات وتغيرات وتقلبات, وتتالت عليها أنظمة ملكية وإمبراطورية وجمهورية. وعرفت نزاعات وحروب منها حربين عالميتين. وصولا إلى البناء الأوروبي الحالي.

 استطاعت المحكمة ــ رغم هذا كله, ورغم معركة الأفكار: الفلسفية, والقانونية, والسياسية والتحولات الاقتصادية.. ــ التكيف مع المعطيات والمتغيرات, والمستجدات بأنواعها, وأثبتت حضورا قويا فاعلا ومستقلا في الدولة الفرنسية القومية, وفي الدولة كعضو في الاتحاد الأوروبي. فهي كما وصفها رئيسها الأول غي كانيفييه " مؤسسة حية".

نصت المادة  L 411-1 من قانون التنظيم القضائي على أن للجمهورية محكمة نقض وحيدة. وأعلنت المادة  L 411-2 على أن : محكمة النقض تنظر في الطعون بالنقض المرفوعة ضد الأحكام النهائية الصادرة عن محاكم النظام القضائي العادي. محكمة النقض غير مختصة في النظر في موضوع القضايا. إلا إذا نص على ذلك تشريع مخالف. ونصت المادة  R 121-1 أن باريس مقر محكمة النقض الفرنسية .

تتميز محكمة النقض بخاصيتين رئيسيتين: الأولى إنها وحيدة في الدولة. وهذا مرتبط بمهمتها الأساسية, الموكولة لها منذ النشوء, مهمة توحيد أحكام المحاكم  jurisprudence . والثانية إنها لا تحاكم أطراف الدعوى, ولكن " الأحكام, والقرارات الصادرة في الدرجة الأخيرة.

 فهي ليست مدعوة للبت في النزاعات, وإنما لتقرير إذا ما كان القرار أو الحكم موضوع الطعن أمامها صدر مطابقا لنص وروح القانون أم لا. في حالة الجواب بالإيجاب ترد الطعن  rejette. وفي حالة النفي تنقض casse القرار المطعون فيه, وتحيل القضية لمحكمة جديدة من نفس طبيعة ودرجة المحكمة التي أصدرت القرار في المرة الأولى, للحكم فيها من جديد.

 وعليه يقال بان محكمة النقض ليست درجة ثالثة في القضاء. والقول المعروف هو أن محكمة النقض قاضي القانون وليست قاضي الموضوع. ولا تستطيع الحكم إلا ضمن الطعن الذي رفع أمامها. فهي تنظر ضمن حدود الدفوع المقدمة لها. فالدفع المقدم لمساندة الطعن بالنقض متعلق إما في شكلية مخالفة القانون, أو لعيب في الشكل, أو في التعليل. وان قاضي النقض لا يستطيع البت في نقطة قانونية لم تعرض عليه. فهو" يحصر محتوى قراره مكيفا له على الحالة التي تم إخضاعها له. ( هيبرود).

تمارس المحكمة رقابة مزدوجة:  انضباطية   disciplinaire على قرارات قاضي الموضوع. و معيارية  normatif  على تطبيق القواعد القانونية. تفسيرها للقانون يهدف لتوحيد تطبيقه. وفي نفس الوقت تبني jurisprudence وحيد يكمل ويوضح معنى القانون. فوحدة الأحكام القضائية هي اللازمة الضرورية لوحدة التشريع في النظام الفرنسي. ( جورج بيكا و ليان كوبره).

عند ممارسة الرقابة لا يحرص قاضي النقض فقط على ان يكون القانون قد تم تأويله بشكل صحيح, وإنما كذلك أن يكون  قد تم في نفس المعنى من قبل كل المحاكم. وتمارس بذلك مهمة معيارية normative لأنها تفرض تفسيرها هي للقانون. وبهذا يمكن القول كما يقرر بيكا انه أصبح من المقبول اليوم بان القاضي, وللضرورة, يملك بعض الدور كمنشئ للقانون. ولكن يجب القول بان محكمة النقض تمارس في هذا دورا محدودا,

تشمل اختصاصات محكمة النقض كل فروع القانون المتعددة, ما عدا, بطبيعة الحال, القانون العام لوجود قضاء إداري مختص في هذا المجال.

التنظيم الإداري للمحكمة:

يتكون ملاك المحكمة العامل من 206 قضاة. بينهم 178 قاض حكم  magistrat de siège و 26 قاضي نيابة  magistrat du parquet . وأميني سر عامين. Secrétaire général .

أما الملاك العامل من الموظفين فهو موزع بين قلم المحكمة greffe,  وموظفي النيابة العامة. 34 كاتب رئيس فئة أ. و 41 كاتب فئة ب. و 155 موظف فئة ج . وتضم أمانة سر النيابة 3 كتاب فئة أ. و 5 فئة ب. و 20 موظفا فئة ج.

مرتبات الملاك والعاملون في محكمة النقض,  500 شخص, يماثل المرتبات المعتمدة في الوظيف العمومي   fonction publique ( لا يسعني هنا إلا الخروج عن الموضوع والابتعاد عن الأساليب الأكاديمية ــ خروج تعوده منا القارئ في كل كتاباتنا ــ  للإشارة لموقف حدث لي في زيارتي لقطر عربي ويحمل كثيرا من الدلالات. فاجأني قاض, وقع لي وثيقة دون أن ينظر لوجهي إلا حين أرشدته تلك الوثيقة لمكان إقامتي, بسؤال لم يسبقه سلام أو تمهيد بكلام: كم يبلغ مرتب القاضي هناك ؟. سؤال نترك الإجابة عليه للمستشار جان فرنسوا فيبر رئيس غرفة محكمة النقض, فقد أشار إلى مرتبات بعض القضاة  , ولكن في الدرجات الأعلى من درجة السائل. (كتابه المشار إليه في الجزء الأول من هذا المقال. ص.23). يحصل الرئيس الأول لمحكمة النقض والنائب العام فيها على اعلي المرتبات المقررة في الوظيف العمومي.  فئة حرف G . ويحصل المستشارون فئة حرف  D-E . على مرتب شهري قدره 5554 يورو , والمستشار المقرر في المستوى المتوسط على 3835 يورو يضاف إليه تعويض اتفاقي يعادل 39%. وتعويض غير محدد يصل في المتوسط إلى 14% , بمقتضى المساهمة في العمل الجيد لسير المحكمة والنشاطات المتنوعة. رئيس قلم المحكمة يحصل على مرتب شهري يتراوح متوسطه بين 2267 و 3730 يورو. وليس هنا بطبيعة عرض جداول المرتبات وإنما اشرنا إلى ذلك كمثال ــ خاصة وان في بلداننا يُربط الفساد القضائي فقط بمرتبات القضاة !! ـ .

مكتب المحكمة:

يتكون مكتب المحكمة من الرئيس الأول, ورؤساء الغرف, والنائب العام, والمحامي العام الأول لدى المحكمة. يضاف إليهم رئيس قلم المحكمة greffier en chef . وقد حدد قانون التنظيم القضائي, ونصوص خاصة أخرى, اختصاصات المكتب. ومنها تحديد عدد الجلسات ومدة كل منها. واعتماد القائمة الوطنية للخبراء القضائيين. عند تعيينه رؤساء الغرف ورؤساء مكتب المساعدات القانونية, يستشير الرئيس الأول المكتب. و فيه  تدور المداولات المشتركة التي تهم المحكمة.

تضاف إليه مكاتب إدارية مرتبطة فقط بمكتب الرئاسة الأولى وتتبعه مباشرة. وتتكون من الأمين العام للرئاسة, ومكتب إداري لإدارة المالية. الأمانة العامة للرئاسة الأولى تتكون من 5 قضاة و 16 موظفا. من مهامها تامين أعمال الإدارة الإدارية للقضاة وللموظفين وقلم المحكمة. و استقبال المتمرنين الفرنسيين والأجانب المدعوين للمشاركة في أعمال المحكمة. وتسهر على تنظيم الندوات والمحاضرات والنشاطات الثقافية المتعلقة بالمحكمة. كما تسهر على امن الأشخاص والأموال بالتنسيق مع القيادة العسكرية المسؤولة عن حماية قصر العدالة.

تسند إلى المصلحة " service" الدولية التابعة للمكتب التبادل والتواصل مع المحاكم الأجنبية العليا في  تلك الدول. وتنظيم استقبال زوار المحكمة من الأجانب. وتنقلات قضاتها للخارج. وهي مسؤولية عن الاتصالات مع وسائل الإعلام (ميديا) فيما يخص القرارات القضائية ذات الحساسية بالنسبة للرأي العام.  وتؤمن توظيف مساعدين قضائيين من طلبة الدكتوراه المساهمين في نشاط بعض المصالح, وخاصة المتعلقة بالوثائق والدراسات في المحكمة.

المصالح الإدارية لإدارة المالية: يشرف عليها قاض مكلف من قبل الرئيس الأول . وتشمل 30 موظفا. مهمتها استغلال وصيانة المكان بمكاتبه وتجهيزاته وأثاثه ومحتوياته .. والمواد والتجهيزات التابعة له. وتشمل مصلحة المعلوماتية ومصلحة المرتبات وتعويضات أفراد الملاك. وتتابع تنفيذ الميزانية ( بلغت ميزانية المحكمة أكثر من 8 ملايين يورو لعام 2006.).

تتولى ترتيب بعض المهام الإدارية للرئاسة الأول و للنيابة العامة, أمانات عامة يديرها قضاة شباب يقومون بمهام رئيس ومدير مكتب الرئاسة الأولى. إضافة إلى ذلك يمارس الأمين العام مهام مدير المصادر البشرية.

الجمعيات العامة  Assemblées générales

ـ جمعيات التشاور. تجتمع مرتين في العام مع مجموع ملاك المحكمة (قضاة  وموظفون). كما تجتمع مقتصرة على القضاة بهدف معالجة كل المسائل المتعلقة بعمل المحكمة. تُُعد لهذه الجمعيات لجنة دائمة مكونة من أعضاء منتخبين يستلمون الطلبات والاقتراحات المقدمة من قبل أعضاء المحكمة, وتعقد الجمعية مع الرئيس الأول والنائب العام ورئيس قلم المحكمة. وكاتب النيابة العامة.

الجمعيات التنظيمية: يُنتخب القضاة حسب النصوص القانونية من قبل مجموع قضاة الحكم أو قضاة النيابة, أو من قبل مجموع القضاة بالاقتراع السري.

المكتبة: تكونت مكتبة محكمة النقض عام 1796 بمبادرة ميرلان وزير العدل, الذي أحال للمحكمة مجموع محتويات مكتبة نقابة المحامين في محكمة باريس المصادرة عام 1791 بعد حل نقابتهم. إضافة للتبرعات الخاصة من رجال الدين والأعيان. وضمت مؤلفات ومخطوطات من القرون السابقة.  وبلغ عدد محتوياتها 9000 مؤلف كرصيد أساسي .  في منتصف القرن 19 ضمت المكتبة أكثر من 51 ألف مؤلف قانوني وديني وتاريخي, حرق منها في حريق كمونة باريس في 24 و 25 ماي 1871 حوالي 30 ألف مؤلف. وقد تطورت المكتبة الحالية بوسائلها الحديثة وانفتاحها على مجالات الوثائق الرقمية , لتصبح غنية جدا  وزاخرة  بكل ما يحتاج إليه القضاة في عملهم اليومي. كما أن فهرستها تمت حسب وسائل المعلوماتية, وممكن الوصول إليها عن طريق موقع الانترنت لمحكمة النقض. تتبع المكتبة وزارة الثقافة الوطنية.

مصلحة الوثائق والدراسات التي تم إنشاؤها بقانون 23 جويليه/تموز 1947 في مقر المحكمة تطور دورها تدريجيا لتتدخل في معالجة الملفات. ومع سياسية التوسع في نشر أحكام القضاء والتعريف به, نظمت جدولة مركزية تحت عنوان وحيد, يحتوي على موجز لكل القرارات المتخذة من قبل المحكمة,  وموجزا عن الأحكام الهامة الصادرة عن المحاكم الأخرى.وتصدر شهريا نشرتين مدنية وجنائية. الى جانب نشرات اخرى فصلية وسنوية.

التنظيم القضائي لمحكمة النقض:

نصت المادة  L 121-3 من قانون التنظيم القضائي على أن " محكمة النقض تضم غرفا مدنية. وغرفة جنائية على الأقل". وعليه فالمحكمة تتكون من  5 غرف مدنية , وغرفة جنائية. لكل غرفة منها رئيس ومستشارون ومستشارون مقررون , ومحامون عامون, وكتاب قلم الغرفة. بعد الحرب العالمية الثانية ومع زيادة الملاك الفاعل جرى تنظيم الغرف في أقسام sections مكلفة بالمنازعات الخاضعة لولاية الغرفة.

 الغرفة الأولى تضم قسمين. اختصاصها الأساسي متعلق بالجنسية , والحقوق الشخصية, وشؤون الأسرة, والطلاق, والميراث, والالتزامات , والمسؤولية التعاقدية, والقانون الدولي الخاص, والتحكيم, والمهن المنظمة, والملكية الفنية والأدبية.

الغرفة الثا

المزيد


من تجارب الآخرين في بناء دولة القانون

نوفمبر 3rd, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

في القضاء.

 محكمة النقض الفرنسية

لا يبني طاغية دولة قانون. ولا يتوقع ذلك منه حصيف. ولا تقوم, طويلا, على ركائز الاستبداد, دولة تحمل "بذور فنائها" بداخلها. ولا تسمو إلى مصاف الدول المتحضرة العصرية تلك التي تقطع مع الفكر الإنساني وتجارب الشعوب, تعصبا أو تميزا أو خوفا, تحت شعار التميز العرقي أو الديني, و تحت وهم الاختيار والاصطفاء من بين الشعوب والأمم. وتلك التي تقتطع حاضرها عن ماضيها, بترا. أو تفهم تاريخها بعكس منطق التاريخ. أو تحنطه كمومياء فرعونية. أو تصوغه كما يحلو لأهواء "مؤرخيها" أو كتبة التاريخ بانتقائية: تقديسا أو تنجيسا. تعظم أبطالها إلى درجة فصلهم عن البشر وإدخالهم الأساطير وعوالمها. تلغي أدوار أجيال بكاملها في صناعة التاريخ, لتجعله وقفا على البطل الأسطورة. وتتقاتل وتتصارع من اجل أن يبقى البطل بطلا وأسطورة. ترمي مفكريها بالكفر والإلحاد والخيانة و الزندقة والتحريف, وترهب من يحاول أن يلج ميادين الفكر الحر. ولا تعيد بأي حال من الأحوال الاعتبار لمن ثبت صواب رأيه بعد رجمه خطأ وظلما بكل أنواع الراجمات, وتستمر في الرجم رغم انتصار الواقع للمرجوم وتسخيف راجميه.

مفاهيم وممارسات الأنظمة الدكتاتورية, الشمولية, المستبدة, للدولة وفي الدولة, لا تستقيم مع ما خلقه الله من تعددية وفوارق بين البشر, في الجنس واللون والتفكير والميول والأهواء .. (إذا ما توجه الخطاب للمؤمنين بأنواعهم), أو مع ما أوجدته الطبيعة من تنوع واختلاف فيها وفي مكوناتها  (إذا ما توجه الخطاب لأنصار الطبيعة, من غير المؤمنين بأصنافهم, ومن يشار إليهم بالعلمانيين) , أو ما اكتسبه الإنسان من تجارب وخبرات في صراعه مع الطبيعة ومع الآخر من اجل البقاء, ( إذا ما توجه الخطاب معمما للمؤمنين, وأنصار الطبيعة من غير المؤمنين, بما فيهم العلمانيين المتهمين  بالضلال وبعدم الإيمان,), وصولا إلى اقتناعه, عبر التاريخ, عن طيب خاطر أو مرغما, بضرورة بناء مجتمعات والعيش الآمن فيها مع الآخر وبمساندة الآخر. وبناء دول تؤطر هذه المجتمعات, وتحمل تناقضاتها القائمة على التعددية والاختلاف والتباين في المكونات, لتجعل منها عناصر ووسائل غنى  وتفاعل يقود إلى خلق علاقات منفتحة حضارية ترتكز على حقوق المواطنية. وتنظيم وسائل العيش المشترك والتفاهم والأمن والسلام. وصولا إلى المشاركة والتعددية المعبر عنها في السياسة بحرية الاعتقاد والتفكير وتشكيل الأحزاب المجسدة لها, والتداول على السلطة والاعتراف للآخر بحق ممارساتها بكافة أنواعها ودرجاتها… وبناء الكل على قواعد صلبة من تنظيم قاد إليه الفكر البشري المتنور: القوانين, والأنظمة, والأعراف التي ترقى, لقبولها الدائم, لدرجة القانون.

الاستبداد والقمع لإلغاء الآخر و التمايز والتعددية الفكرية أو حتى الفيزيائية (الحروب العنصرية, الحروب الدينية. الاقتتال الطائفي والمذهبي. والقبلي, والاقتتال الحزبي السياسي), وادعاء احتكار الحقيقة, وما يترتب عليه من إقامة أنظمة دكتاتورية استبدادية شمولية, ظلامية, يذهب ضد مفاهيم المؤمنين بخلق البشر أجناسا وشعوبا .. وضد مفاهيم "العلمانيين" وأنصار الطبيعة من غير المؤمنين على مذاهبهم المتنوعة .. وضد الإنسان أينما كان.

على أنقاض الشمولية قامت مفاهيم الدولة الديمقراطية, دولة القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان. بناء مثل هذه الدولة فيه كل شقاء ومتاعب بناء الدولة ــ كما فيه كل آمال شعوبها ــ ويحتاج جهود كل مكونات المجتمعات التي تقع ضمن إطارها, دون استثناء أو إقصاء.

وليس هنا مجال ذكر كل ما يتطلبه هذا البناء, حيث لا يمكن إلا لدعي الإحاطة بما هو ضروري لكل ذلك. ولكن يمكن الإشارة إلى بعض الركائز الأساسية التي يحب أن يقوم عليها البناء السليم الصلب  ونخص منها هنا ركيزة أساسية :القضاء. مشيرين للقضاء في تجارب الآخرين للمقارنة والاستفادة. وفي هذا الاتجاه, وضمن هذا الهدف, حاولنا الحديث بإمكانياتنا المتواضعة عن القضاء في مقالات عديدة سابقة. وستكون السطور القادمة لمؤسسة قضائية عتيدة ودورها في بناء الدولة, كمثال :

 محكمة النقض الفرنسية.

العمر الرسمي لمحكمة النقض هذه زاد على القرنيين و 19 عاما. ولأننا اشرنا إلى التاريخ, ولان لاشيء دون تاريخ, نرى أن لا بد من العودة إليه في لمحة سريعة لاستشفاف أصول وتطور هذه المحكمة, في مقالة أولى. على أن نعود إلى دور وتركيب وعمل هذه المحكمة, وتكوين قضاتها في يومنا هذا في مقالة ثانية. معتمدين على كتابات قضاة شغلوا مراكز أساسية فيها: رؤساء. ومحامون عامون. ومستشارون. وحقوقيون بارزون.

ابتداء من القرن السادس عشر بدأت تظهر كلمة نقض cassation وتتكرر مع تراجع الأعراف وترسخ القانون المكتوب الصادر عن المراسيم الملكية. وقد وضح الحقوقيون الحالات التي كان يمكن فيها  الطعن بالنقض. وميزوه عن الاستئناف العادي في موضوع القضايا العائد البت فيها للبرلمانات. ( وهي المحاكم المعادلة لمحاكم الاستئناف حاليا).

فمرسوم  Colbert لعام 1667 الذي استمر إلى آخر عهد النظام القديم  عين الإجراءات المدنية التي تعتبر خرق المراسيم الملكية سبب في رفع دعوى الطعن بالنقض. وقد ذكر مستشار الدولة  Gilbert de Voisins , 6 حالات لرفع دعوى الطعن بالنقض: العيب في المواد الإجرائية. تجاوز السلطة. مخالفة القرارات  ordonnances  . مخالفة القوانين الأساسية. مخالفة الأعراف. والتعسف أو الظلم. ( J.-F. Weber. La Cour de Cassation. 2006) . رئيس غرفة في محكمة النقض وعضو في المجلس الأعلى للقضاء).

 ويعتبر, فيبر, صعود آلية الطعن بالنقض بقوة في ظل النظام القديم على إنها ترجمة قضائية للعلاقات المتوترة غالبا بين الملك ومجلسه من جهة, وبين المحاكم من جهة أخرى. وقد علق المستشار جولي دي فلور على إن إجراءات الطعن كانت بالدرجة الأولى لحفظ المراسيم الملكية قبل أن تكون لمصلحة المتقاضين. وكان الطعن بالنقض استثنائيا يبت فيه مجلس الملك, وبالتحديد مجلس الأطراف Conseil des parties المنشئ عام 1578.

 لم تكن الملكية الفرنسية تعرف مبدأ فصل السلطات قبل مجيء منتسكيو في القرن 18 . فالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية, كانت مجتمعة بشخص الملك. وكان القضاء محجوز له.  فهو مصدره. و يتبعه مباشرة كل القضاة وكل المحاكم. وبما انه لا يستطيع إقامة العدالة كاملة بنفسه, فقد فوض جزءا منها لهيئات, بينها المحاكم المحلية.  Parlements régionaux. وبذلك اُدخل فارق رئيسي بين القضاء المحجوز والقضاء المفوض. القضاء المفوض هو القض

المزيد


شعارات مرفوعة تحتها شعوب مقموعة

أكتوبر 22nd, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

في مقال سابق بعنوان " قيم للتبشير وسياسة تدجيل. الاتحاد الأوروبي مثلا" اشرنا لتعدد المعايير في الخطاب السياسي الغربي والاتحاد الأوروبي بشكل خاص, فيما يتعلق بالسياسات الخارجية الخاصة بالعالم الثالث, العربي منه على وجه الخصوص, والى أن المتغير الوحيد في السياسات عبر الزمن لم يكن الجوهر وإنما الأسلوب. الطريقة. فمكيافيلي بقي مكيافيلي. وأصبح تلامذته نسخا أقل أصالة وأكثر انتهازية بأساليب عصرية ــ رب تلميذ فاق معلمه ــ وبقيت الغاية تبرر الواسطة. وبقي فصل السياسة عن الأخلاق قائما, ولكن مع زيادة عمق واتساع هذا الفصل.

الأنظمة العربية التي ورثت الاستعمار, تسلقا على تضحيات الشعوب بالأرواح وبكل ما تملك. واستغلالا للآمال التي كانت تحدوها باستقلال يوفر لها الحرية والكرامة, ومستقبل أفضل لها وللأجيال القادمة من أبنائها وأحفادها. هذه الأنظمة, ورقصا على تلك الآمال, توصلت إلى السلطة, بطرق اختلفت من قطر لآخر,فاحتكرتها وجعلتها أداة قمع واستغلال وإرهاب.

حاول القابضون عليها, ابتداء, بناء أنظمة سياسية على نحو ما هو معمول به في الدولة المستعمرة. فأُعلنت دساتير "عصرية" بهدف تنظم الدولة الناشئة والسلطات فيها. وقبل بعضهم بالتعديدية الحزبية صراحة أو مواربة , وشكلوا مجالس نيابية, وهيئات قضائية, و مجالس وزراء… ورفض البعض الآخر منهم أي تفكير بالسماح لظهور الرأي الأخر بآي شكل من الأشكال منظما أو فرديا.

بعد الاستقلال بفترة وجيزة جدا دخل اللعبة السياسية, في العديد من تلك "الدول", من هم ليس من أهل السياسة ولا من جهابذتها, لا تكوينا ولا خبرة ولا ثقافة. الضباط. فافسدوا السلطات التي احتكروها وأفسدت السلطات من كان منهم, بداية, أصحاب نوايا سليمة, وتطلعات صبيانية, وحماسة عاطفية. ثم تتالت الانقلابات وما جلبته ورسخته من دكتاتوريات عسكرية وأنظمة قمع, موروثة ومستحدثة, بأساليب وطرق وإمكانيات كان كثيرا ما يتورع عنها الاستعمار نفسه. وانتشرت ثقافة التخوين والاتهام, والإعدام, والسحل, والتعذيب, وهتك المحرمات, ودوس الكرامات, والإقصاء, وما تبعها من خوف ورعب كان وما زال وسيبقى أثره كبير في تكوين نفسية الإنسان العربي أينما كان, حتى في المغتربات.

لم يكن لدى الأنظمة الناشئة تلك من قيم للتبشير بها فأساليب وصولها للسلطة واحتكارها لم يكن يدخل بأي شكل من الأشكال في منظومة القيم. وإنما كان همها البحث عن المشروعية المفقودة. فوجدتها. شعارات. شعارات تعرف إنها للطرح فقط. وأنها في تركيبتها وذهنيتها كأنظمة اعجز من تحقيق أي منها حتى ولو أرادت.

القضية الفلسطينية بماسيها المستمرة, منذ النكبة والى اليوم,دخلت في حملة الشعارات وتحولت إلى قضية شعارات . أصبحت الشعار الأساس الذي يلجأ إليه رافعه ليستمد منه كل مشروعية, وكل المشروعية. فأي انقلاب لم يعلن أن هدفه الرئيس ليس الوصول للسلطة وإنما تحرير فلسطين عبر استلام السلطة؟. وأي قمع للإنسان العربي ليس فيه شيء من شعار لا صوت يعلو على صوت المعركة؟. وأي خراب اقتصادي لم يبرر بالإنفاق للإعداد للمعركة؟. وأي حاكم لم يدع رهن نفطه وثرواته من اجل التحرير, وتحرير القدس بشكل خاص, وإعادة الفلسطينيين لفلسطين وفلسطين للفلسطينيين؟.  وأي حاكم لم يأخذ هذه المهمة على عاتقه وحده بفلسطينيين أو بدونهم؟. وأي نزاعات بين الأنظمة العربية, ولو كانت شخصية بحتة, لم يكن في أسبابها المعلنة بعض من فلسطين, أو من فلسطينيين, أفرادا أو منظمات وفصائل؟. وأي خلاف أو صراع أو اقتتال فلسطيني فلسطيني لا يد لنظام عربي فيه؟.

أليست هي قضية العرب الأولى؟ ألا تستحق حملة من الشعارات تتسع لتتلاقى هنا وتتنافر هناك. شعارات هنا, يطرحها أصحاب الرؤوس الحامية الأكثر وطنية ووحدوية من الجميع, تدعو, من اجل التحرير, لوحدة عربية شاملة من المحيط إلى الخليج فورا. معتبرة كل افتراء على الوحدة الشاملة الفورية تلك افتراء على القضية. وأن الوحدة المنقوصة هي تكريس للقطرية ــ وكأن الوحدة كانت قائمة ثم تجزأت وتكرست في أقطار كما هو عليه الحال الآن ــ.

 وشعارات هناك, من أصحاب الرؤوس الأقل "حماوة" و سخونة, تقبل بوحدة جزئية, وحتى بين قطرين أو أكثر, في انتظار نضوج الظروف ــ مع محاولة استعجال النضوج بالتآمر هنا وهناك وهنالك, وتدبير الفتن والانقلابات

المزيد


قيم للتبشير وسياسية تدجيل. الاتحاد الأوروبي مثلا.

أكتوبر 13th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

 كثيرا ما تعلن الدول أن سياساتها ,الخارجية بشكل خاص,  تهدف للدفاع عن قيم معينة , لحمايتها, أو لنشر وهجها وإشعاعاتها . وقليلا ما تكشف هذه الدول عن أن هدفها الأساس هو تحقيق إطماع ومصالح بحت إستراتيجية واقتصادية أينما كان وكيفما كان.

 كان هذا عبر التاريخ والى يومنا هذا, وسوف يستمر مستقبلا. فالحروب, والفتوحات, والاحتلال, كانت تبرر على أنها إما للتبشير بمعتقدات دينية أو إيديولوجية متطورة, وإما "لتحضير" الغير, غير المتحضر أو الأقل حضارة مما يجب, ونقل الثقافة إليه ووضعها خالصة بين يديه. برغبته أو رغما عنه. وإما لحماية النفس والوقاية من تسرب الأفكار البربرية القادمة من هناك من العالم المعادي لهدم الحضارات الراقية وقيمها.

 وعليه, فالغير عدو غير متحضر وجاهل ولا قيم لديه. دائم الوجود والتربص, سواء أكان وجوده حقيقيا أو مفترضا, وخطره حالا أو متوقعا, يتوجب غزوه في عقر داره بشتى الوسائل, أخرها العسكرية في أيامنا هذه (آخر العلاج الكي كما يقول القدماء).

 "شيطينة" الغير تخلق الأسباب الموجبة والضرورية  للتصدي له بكل الوسائل, بما فيها الحروب , والإبادة الجماعية, والفتوحات, والاحتلال واستعمار الشعوب واستغلال ثرواتها ومصادرها الطبيعية.

"التحضير" ونشر القيم الحضارية, خدمات لا تقدر بثمن تقدم لغير المتحضرين, وترتب عليهم حقوقا لمقدميها و أثمانا مها كانت باهظة تبقى قليلة أمام  الفوائد المرجوة  و"التحضير" قادم في النهاية لا محالة. ( مما خلق عند الطرف الآخر "الغير" ردود أفعال تحولت لموجات تعصب وكراهية وحقد وتكفير, ودعوات مصحوبة بأفعال لتدمير القيم الحضارية والمكتسبات الإنسانية وصولا لتفجير النفس لتدمير الجميع أينما كان موقعهم)

ولكن مع امتداد المستعمرات الأوروبية  لتشمل العالم بأكمله (لم تكن تغرب الشمس عن المستعمرات البريطانية),  بقيت القيم المبشر بها مجرد ادعاءات في أذهان أصحابها فقط. لم تعرف لها انتشارا أو قبولا, ولم يكن مرحب بها على الإطلاق في المستعمرات المنكوبة بحضارة مزعومة وقيم كلامية خادعة. وعكس ذلك, عم الفقر والإفقار والجهل والحرمان والأمية والتخلف والمرض ليطال مئات الملايين من البشر… وبقيت "الحضارة" تقطر دما, ليس فقط من جوانبها وإنما كذلك من قلبها ومركزها.

فإذا كان مفهوم الحضارة نفسه, والقيم نفسها, غير متفق عليها عند حامليها وناقليها ليس فقط على مستوى القارة الأوروبية, التي تهم هذه السطور, وإنما كذلك داخل كل دولة من دولها, فهل تستقيم عندها مثل تلك الادعاءات ويعترف لها ولو ببعض المصداقية؟.

إذن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه عن أية قيم تحدثوا قديما ويتحدثون اليوم ؟ هل هي تلك المعلنة والمرفوعة في كل مكان حتى على الحراب؟. أو المتناقلة عبر أجهزة الإعلام بأنواعها والمعمول بعكسها خفية أو في وضح النهار؟. وماذا نتج عن هذا التسويق بالطرق التي تم إتباعها, هل استطاعت الانتشار؟. الم يكن لحاملها نفسه دور في إعاقة انتشارها والإساءة لما حمل؟.

 سوف لا نذهب بعيدا في التاريخ لضرب الأمثلة على ما خلفته سياسة النفاق المستتر بستار القيم ونشرها, وإنما تكفينا الإشارة إلى الحربين العالمتين الأخيرتين, والحرب الباردة,  والماسي التي عانت وتعاني منها إلى يومنا هذا شعوب الدول المستقلة حديثا ــ الملقبة, نفاقا, بدول العالم الثالث, أو النامية, أو السائرة في طريق النمو, ونادرا, تماشيا مع فن النفاق, ما توصف علنا بالمتخلفة وغير المتحضرة ــ هل من تعاليم  القيم تلك, على سبيل المثال لا الحصر, أن ترسم الحدود الجغرافية لتلك الدول وتقتطع مناطق من هنا لتضم هناك, بتلاعب خبيث لتبقي الأوضاع بعد الاستقلال محل نزاعات دائمة بين الدول المتجاورة, تتطلب بالتالي تدخلات القوى الخارجية لتكريس السيطرة والهيمنة؟ .

 لا نعتقد إن غربيا واحدا ممن يؤمن فعلا بقيم محلية أو قارية أو أية قيمة لها أبعاد إنسانية شاملة يمكنه أن يجد واحدة منها  تبرر خلق المأساة الفلسطينية, أو الجريمة المستديمة بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية.  أو قيمة واحدة تقر أو تبرر الصمت  والتستر على ما جرى و يجري منذ عقود طويلة ضد الفلسطينيين بالذات. صمت  يعادل المشاركة في  القتل والتدمير والتهجير والاعتقالات والملاحقات وحرق مناطق بأكملها, غزة  آخرها,  والقادمات ستكون أفظع, والصمت سيبقى سيد الموقف. (لا نتحدث هنا بطبيعة الحال عن أصحاب القيم والمؤمنين بها فعلا من الشعوب الغربية التي تخرق الصمت وتتظاهر في الشوارع لقول الحق. ولا عن كتابات الأحرار من المثقفين بأنواعهم وقيامهم بحملات تطوع لمناصرة القضايا العادلة في العالم أجمع. وإنما الحديث عن السياسيين المتاجرين بالقيم وبدماء وآلام الشعوب المختلفة عنهم مكانا وكيانا ومعتقدا).

  الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية, والتي كانت تبحث عن إقامة التوازنات في العلاقات الدولية بأي ثمن, كرست نتائج الحروب المشار إليها, ورسمت الأوضاع الظالمة المترتبة على تسويات مفروضة بالقوة. ورسخت  معسكرين رئيسيين متضادين أقاما الأحلاف والتكتلات  باسم الدفاع عن المعتقدات والقيم :

ـ محاربة الدكتاتورية, والأنظمة الشمولية, والمد الشيوعي, وانتهاك حقوق الإنسان والحريات العامة والفردية, وكسر الطوق الحديدي المفروض على دول المعسكر الاشتراكي وشعوبه, والتصدي للأفكار الهدامة, وإقامة الديمقراطية ودولة القانون هناك, وهناك فقط. مهام جند المعسكر الغربي نفسه بكل إمكانياته لمحاربتها لمخالفتها لقيمه ومعتقداته.

ـ تخليص الإنسانية من الامبريالية ونظمها. وتحرير الشعوب من الاستعمار. والنضال من اجل اتحاد عمال العالم لتحرير الطبقات الكادحة من الاستغلال البشع. وإقامة دكتاتورية البروليتاريا وصولا إلى فناء الدولة.. قيم سادت المعسكر الاشتراكي و تحولت إلى إيديولوجيا متكاملة ثابتة وجامدة رفضت كل تطور, وعرفت داخل معسكرها نفسه صراعات نتيجة للتفسيرات والتطبيقات المتباينة.

 الحلف الأطلسي وحلف وارسو من الأدوات العمالتية المستعدة لكل شيء بما فيه تدمير الإنسانية من اجل الدفاع عن القيم التي يعلن كل طرف بأنها قيمه وإنها هي الأفضل للإنس

المزيد


رأيت رعايا ولم أر مواطنين

سبتمبر 25th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

هذا ما يقرره أي زائر للمنطقة العربية في أيامنا هذه, فهو لا يرى في واقع الحال مواطنين ــ وهذا ما يبدو من النظرة الأولى والاحتكاك الأول ــ وإنما رعايا مجرد رعايا. أناس نسوا منذ زمن طويل, وبفعل الممارسة المستبدة, الفرق بين استلاب الرعية وبين حقوق والمواطنين. أناس رضوا, أو على الأقل, عودا النفس على الرضاء بكونهم رعايا, والقوا جانبا عناء التفكير بمعرفة الفوارق بين أن يكونوا أفرادا من مكونات الرعية, وبين أن يكونوا مواطنين شركاء في الوطن. وذلك طلبا للسلامة بعد معاناة من استبداد وقمع جسدي وفكري عمره عقود. وبعد فرض تربية أجيال بأكملها على ممارسة دور وطقوس الرعية الصالحة في معايير الأنظمة الاستبدادية.

المواطن في عصرنا هذا, في غير منطقتنا هذه, لا يرضى عن مواطنيته بديلا , ولا يتخلى عما تحمله له   باعتباره جزء من السيادة السياسية, وبأنه هو نفسه مع مجموع المواطنين الآخرين من يختارون, بطريق الانتخاب العام النزيه وبالإرادة الحرة التي لا تشوبها شائبة, الأنظمة والحكام. المواطن الحديث صاحب حقوق : حقوق الإنسان لكونه إنسان, الحقوق المدنية, الحقوق الاجتماعية.. وملتزم كامل الالتزام بالواجبات التي عليه تجاه المجتمع والدولة كدفع الضرائب واحترام القوانين…

المواطنية ترتب حقوقا للفرد والعائلة و الجماعة, فالمواطن, كونه عضو كامل العضوية في الدولة, يملك حق المشاركة الكاملة وغير المنقوصة في الحياة اليومية والمستقبلية للمجتمع والدولة . وهي في أسس  المشروعية. وعليها تبنى الروابط الاجتماعية, ولا ينفصل عنها مبدأ المساواة أمام القانون. مرتبطة وثيقا بالديمقراطية بحيث لا يمكن تصور مواطنية حقيقية في غير أنظمة ديمقراطية حقيقية.

المواطنية ليست فقط وضعا قانونيا, فهي زيادة على ذلك روابط اجتماعية تقوم بين الشخص والدولة التي تمنحه أهلية ممارسة مجموعة الحقوق السياسية, إلا في حالة تجريده بإدانة جزائية, صادرة عن قضاء نزيه, من ممارسة كل أو بعض هذه الحقوق.

كما أنها تتضمن قيما تقليدية مثل الاحترام المتبادل بين المواطنين, والحفاظ على الكرامة الإنسانية للجميع. والاهتمام بالممتلكات العامة وكأنها الممتلكات الخاصة لأي مواطن ولكل المواطنين. احترام, واهتمام منبعثين من الذات الواعية والقناعة, للقوانين والأنظمة النافذة.

المواطنية لا تعني مجرد التعايش بين أفراد تجاوروا جغرافيا. المواطنون ليسوا مجرد أفراد متجاورين في مجتمع عليهم التعايش فيه بحكم هذه التجاور ووفق متطلباته, وإنما هم مجموع الرجال والنساء المكونين لهذا المجتمع مرتبطون بتاريخ مشترك, وثقافة مشتركة, وهدف مشترك, ومشروع مشترك, وطرق حياة مشتركة, ومصير مشترك. وهذا ما يفرض عليهم التضامن الاجتماعي والتآخي لما فيه المصلحة العامة. وتحمل المسؤولية الفردية والجماعية.

المواطنية لا تقتصر على حمل جنسية الدولة المنتمي إليها الفرد وإنما تعطيه الحق في مشاركة فعالة في حياة  هذه الدولة. فللمواطن الفعال دور أساسي ليقوم به, متمثل بالتصويت والترشح . وهنا يلعب المواطن دوره الفعال والأساسي في مجتمعه. يعبر عن رأيه بحرية مطلقة, ويساهم في اختيار أو عزل الحكام, ويشارك في صياغة التوجهات السياسية الأساسية في السياسة الداخلية والخارجية لبلده, ويبدي رأيه فيها بكل الوسائل التي يكفلها له الدستور والقانون.

المواطنية تعطي المواطنين حق تشكيل الأحزاب السياسية, والانضمام إليها, حسب قناعاتهم, وحق تشكيل الجمعيات المدنية, والنقابات, بهدف الدفاع عن حقوقهم وعن المصالح الاجتماعية والاقتصادية والمهنية.

المواطنية تفرض المساواة بين المواطنين أمام القانون وفي المحاكم, وفي الوصول إلى العمل والوظيفة, حسب معايير الكفاءات والجدارة, في مسابقات وإجراءات معلومة ومنشورة.

المواطنية لا تقوم على الإقصاء بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو المعتقد الديني, ولا تعترف بامتيازات لفئة معينة وحجبها عن أخرى.

المواطنية توفر لكل مواطن, عامل أو عاطل عن العمل, الحق في العلاج الصحي, والضمان الاجتماعي, وتكفل حق التقاعد والشيخوخة للجميع.

عندها يصبح للعبارة المعلقة على جدار بلدية

المزيد


موظفون شرقيون اجتهدوا فتميزوا

سبتمبر 10th, 2009 كتبها د. هايل نصر نشر في , غير مصنف

للشرق سحره. للشرق طبائعه ومميزاته. للشرق تاريخه المشرق احيانا , والمظلم اخرى.وله حضارته العريقة وقيمه واخلاقه وفضائله. فيه صفاء ونقاء. كما فيه خفايا وغموض يعجز حتى أبناؤه عن فك طلاسمه, فما بالكم بالغرباء او البعيدين عنه او الجهالين بخصائصه وعميق تاريخه.

 زائرو الشرق في يومنا هذا ممن عرفوه, او عرفوا عنه شيئا وجهلوا اشياء, لا بد ان تدهشهم ــ   على اختلاف اصنافهم وتنوع مشاربهم ــ ظواهر جديدة مميزة قد لا تجد مثيلا لها في أي مكان من عالم اليوم, عالم التقنية والتكنولوجيا الحديثة, والاتصالات والمواصلات وتلاقي الافكار وتقاطعها, ولغات التخاطب  والتعامل ووسائلها,والتنظيم الاداري والرقابة والشفافية… وذلك من الوهلة الاولى ووضع القدم في مطارت الوصول ونقاط الحدود المتعددة.والى يوم الخروج والمغادرة, التي لا تكون احيانا موفقة أو ميمونة.

لايمكن الاشارة في مقال واحد لانطباعات وملاحظات, واحيانا معاناة الزائر لبعض شرق اليوم ,الساخن منه بشكل خاص, وعليه نكتفي بالاشارة هنا لظاهرة يمثلها موظفوه , بعض موظفيه ــ وكلمة بعض في هذا المقام لاتحمل المعنى الذي يعطيه اياها قاموس اللغة,فقد تتسع وتتسع في مكان ما لتصبح شاملة وتأخذ معنى الكل, وتتقلص في أماكن اخرى لينطبق عليها تعريف القاموس, ومع ذلك ولاعتبارات خاصة فضلنا استعمالها " بعض !!"

الموظف, في بعض التعاريف, أو فيما اصطلح عليه, هو الذي يقوم بمهام وظيفة مفيدة عامة أو خاصة, اسندت اليه لقاء راتب معين وأجر,  ويكرس نفسه ووقته اثناء ساعات عمله للقيام بها, خدمة للوطن والمواطن, بشكل مباشر أو غير مباشر. وذلك ضمن اخلاقيات المهنة ومقتضياتها. وهو المعد بشكل جيد ليكون اداؤه في المستوى المناسب لوظيفته.

الاحتكاك الاول ـ لمن قدر له ان يحتك ــ بموظفي, او "بعض" موظفي هذا الشرق, على اختلاف مواقعهم في أعلى السلم الاداري أوفي أسفله,يبين الى اي حد أخرج هؤلاء الشرق عن طبيعته, عن خصائص شرقيته. وعن اصالته. لم يغربوه, ولم يشرقوه, ولم يبقوه في عين مكانه. ولم يبنوا له مكانا أو مكانة عصرية ومستقلة, تاركينه فريد عصره لايشبه أحدا ولا يحترمه كما ينبغي احد, ولا يستطيع حتى العودة للتعرف على نفسه واعادة الثقة بها.

في وجوه البعض من هؤلاء الموظفين,ملامح ليست بالشرقية, أو لم تعد كذلك, ولا الغربية,أو البين بين, ونظرات لايدرك مغازيها ومعانيها الا موظف شرقي من نفس الدرجة والنوعية والتكوين, ويتحلى بنفس الاخلاقيات المهنية المكتسبة حديثا في ظل انظمة كان منمنجزاتها خلق هؤلاء وطبعهم بطابعها,  بشكلهم هذا في يومنا هذا.يتصرفون بردود أفعال غير مهنية او حضارية تتبع مزاجية متقلبة تقلب الاسعار غير المدروسة أو المدعومة في الاسواق بأنواعها, بما فيها اسواق الفواكه والخضار, وتتأثر بالتعامل اليومي مع ا

المزيد


التالي