إصلاح يصل إلى الإلغاء
تحدثنا في المقال السابق عن الجدل المثار حول بقاء أو إلغاء قاضي التحقيق من القضاء الجزائي الفرنسي, ونرى من الفائدة , بعد أن طُرح موضوع الإلغاء من قبل رئيس الجمهورية, بعد 20 عاما من الجدل, بمناسبة احتفال محكمة النقض الفرنسية ببدء العام القضائي الجديد 17/01/2009 , الإشارة لبعض المواقف التي عبر عنها قضاة ونقابات قضائية, ورجال قانون وبعض الأحزاب السياسية من اليمين واليسار.
أكثر ما يحلم به رجل دولة في المركز الأول في المسؤولية هو تخليد اسمه بربطه بانجاز قانوني أو قضائي كبير. نابليون بونابرت لم ير في حكمه وفتوحاته وحملاته العسكرية مجدا غير منازع فيه, بقوله عام 1804 ” مجدي الحقيقي ليس في الانتصارات التي حققتها في الأربعة عشرة معركة. معركة واترلو ستمحو ذكريات كل انتصاراتي. ولكن الشيء الذي لا يمحى, والذي سيبقى خالدا هو قانوني المدني” ( code civil le) . وكان شارل ديغول بإعلانه دستور الجمهورية الخامسة التي يعتبره البعض, والى اليوم, انه فصله على مقاسه, يعتز بما حدث في عهده من تطوير, وإصلاح, وبناء للمؤسسات القضائية. كما كان يفتخر فرنسوا ميتران بان من أهم انجازاته, في مدة رئاسته لفترتين متتاليتين, التي سيذكر بها هو إلغاء عقوبة الإعدام.
وضمن طموحات ساركوزي التي لا تخفيها تصرفاته, الحلم رغم كل شيء, بأن يصبح في مستوى سابقيه, وأن يربط باسمه انجازا قضائيا, فاقترح على عجل الانتهاء من الجدل المستمر منذ أكثر من 20 عاما, بإلغاء قضاء قاضي التحقيق.
وقبل عرض تصلاح ساركوزي في هذا المجال ذلك نشير إلى أن القضاء الجزائي الفرنسي يأخذ بإلاجراءات التحقيقية procédure inquisitoire. التي تتميز بأنها سرية. كتابية. غير وجاهية. ويجري التحقيق فيها بمبادرة القوة العمومية. دور المحامين خلالها سلبي فليس لهم أية سلطة تحقيق. قاضي التحقيق المستحدث عام 1808 والمستقل ابتداء من عام 1958, عليه أن يقوم بالتحقيق بالإثبات والنفي في الوقت نفسه. ويصدر أمره في الاتهام فقط. في هذا النوع من الإجراءات يحتل الاعتراف مكانة هامة. إجراءات طرأ عليها أكثر من 130 تعديلا بين الأعوام 1958 و 2003, لم تترك قاضي التحقيق مثلما وصفه بلزاك الرجل ” الأقوى في فرنسا “.
في حين أن الإجراءات الإتهامية procédure accusatoire في النظام القضائي الانكلو سكسوني شفهية. علنية. وجاهية. مباشرة التحقيق تعود إلى الأطراف المتنازعة. وفيها يُعتبر الاتهام والدفاع متساويان أمام القاضي. ودور القاضي دور الحكم فيما يتعلق بالأدلة والمرافعات. يؤسس الاتهام على مفهوم “الشك المعقول doute raisonnable” . المرحلة السرية في التحقيق قصيرة جدا.
يدرك ساركوزي, المعروف بإعجابه بالنظام الأمريكي,ان بمطالبته إلغاء قاضي التحقيق يكون قد أثار مسألة تعني الكثير, ليس فقط للقضاة, ومعاوني القضاء, والقانونيين, وإنما كذلك للمتقاضين والمواطنين العاديين, ولكل متعلق بالتقاليد القضائية الفرنسية, وبالتاريخ الفرنسي , والقومية الفرنسية التي تصل عند قطاعات كبيرة من مختلف الطبقات الاجتماعية حد الشوفينية, وبان ذلك سيلهب نقاشا سوف لا ينتهي في فترة قريبة, يبقى هو فيها مركز ومحط الاهتمام والدعاية, واعتبر الكثير من هذه الفئات إن ذلك يعادل ثورة قضائية غير برئيه يقودها رئيس الجمهورية .
في خطابه في افتتاح العام القضائي أمام محكمة النقض في التاريخ المذكور أعلاه أعلن ساركوزي: ” نعم العلاقات بين السياسة والقضاء في بلدنا الموسوم بتقاليد معينة, يمكن اعتبارها تنافس, وفي أحسن الأحوال حذر متبادل..مضيفا أن الاستقلال الضروري لقضاة الحكم الذين يمارسون السلطات القضائية, والاستقلال الذاتي المعتدل, تبعا لقاعدة التسلسل الوظيفي, والتي هي شرف قضاة النيابة, هي ضمانات للمساواة والنزاهة في ممارسة العدالة في بلدنا…”علينا إيجاد إجراءات جزائية جديرة بعصرنا”. أي أن تكون أكثر حرصا على الحريات الفردية. .. وان تسود ثقافة الأدلة les preuves, ولا يبقى الاعتماد على ثقافة الاعتراف فقط. وان يحضر المحامون من الساعة الأولى للتوقيف garde à vue . على فرنسا أن تتحول إلى نظام جديد يتحاشى الإجراءات الاتهامية الصرفة الموجودة في العديد من الدول الانكلو سكسونية لتأخذ بنظام “وجاهي contradictoire ” يمزج النظامين المذكورين . يتمنى الرئيس تعزيز المرافعات بين الاتهام والدفاع خاصة عند فتح الدعوى والوضع في الحبس الاحتياطي, الذي ستقرره جلسة علنية مؤلفة بتشكيل قضائي جماعي. ويريد وضع حد لسرية التحقيق الجنائي الذي هو أسطورة, ولكن لتحل محله سرية حقيقة للتحقيق.
قاضي التحقيق حاليا مكلف بالتحقيق في القضايا القضائية الأكثر خطورة, فهو قاض حكم مستقل عن السلطة التنفيذية, يقود مع الشرطة القضائية تحقيقات إثبات ونفي, فهو في الوقت نفسه محقق وحكم, مكلف ببناء الوقائع وإعداد الملفات, بهدف تنظيم الدعوى. هذه الشخصية المركزية في الإجراءات الجزائية في فرنسا تعتبر وحيدة جدا ومعزولة جدا. وهذا ما جعل قاضي التحقيق موضوع نقد غير منقطع منذ أكثر من 20 عاما.
ويذهب إلى القول بأنه لم يعد من المقبول المزج بين سلطات البحث التحقيق, والسلطات القضائية لقاضي التحقيق. فقاض مكلف بالتحقيق بعقلانية, لا يستطيع في الوقت نفسه ضمان حقوق الشخص المشتبه به .. قاضي التحقيق في وضعه الحالي لا يستطيع ضمان حقوق المشتبه فيه, وان يكون حكما, كيف يمكن آن نطالبه باتخاذ إجراءات إكراه بشكل يمس خصوصية الحياة الخاصة, عندما يكون قبل كل شيء مقاد بضرورة تحقيقه؟ . لذلك حان الوقت لان يترك قاضي التحقيق juge de l’instruction le مكانه لقاض للتحقيق juge de l’instruction يراقب مجريات التحقيقات ولا يمكنه ان يديرها.
يتضمن أيضا اقتراح الرئيس إعطاء سلطة الحبس الاحتياطي لقضاة حكم في تشكيل جماعي بجلسة علنية, إلغاء قاضي الحريات والحجز الذي تم استحداثه عام 2000.
استغل ساركوزي, في عرضه لمشروعه, الفضيحة القضائية المعروفة بقضية اوترو (عندما وضع قاضي التحقيق Fabrice Burgaud 12 شخصا في الحجز لمدة شهور لتتم تبرئتهم فيما بعد من قبل محكمة النقض , وقد رد البعض على ذلك هل نحن متأكدون بان هذه الفضيحة كان يمكن عدم حدوثها لو كان نائب الجمهورية مكان قاضي التحقيق في هذه القضية؟ ) ليبرر مثل هذا الإصلاح.
ومنه, يجب أن يذهب التحقيق الجزائي الذي يديره قضاة التحقيق, باعتبارهم قضاة مستقلون عن السلطة التنفيذية, إلى النيابة وقضاتها. وهؤلاء يتبعون السلطة التنفيذية, بطريق تعيينهم, و في مهنتهم, وفي تنظيمهم التدرجي الذي يوصل إلى وزير العدل. وعليه فان تحويل سلطات قاضي التحقيق المستقل, إلى نيابة عامة تتبع الحكومة, سوف لا يلقى رضاء وقبولا كافيين إذا لم تشمل هذه ” الثورة القضائية” إصلاح النيابة العامة وصولا بها إلى الاستقلالية.
حين رأت لجنة القضاء الجزائي وحقوق الإنسان لعام 1990 التي كان يرأسها البروفيسور Mireille Delmas-Marty إمكانية إلغاء قاضي التحقيق ربطته بشروط تحدد مسبقا, ولم تخف إشكالية وتعقيد مثل هذا الإصلاح القضائي, خاصة بعد أن تبين لها صعوبة «فرضية قطع مطلق للروابط التي تربط النيابة العامة بالسلطة التنفيذية” .
تذهب اللجنة المذكورة للمطالبة بإلغاء قاضي التحقيق وإنما أرادت إنشاء أقطاب pôle تحقيق. وحصلت بهذا الصدد على التصويت على قانون 2007 الذي نص على إنشاء, ابتدأ من عام 2010 , قضاء تحقيق جماعي ينظر بالقضايا بهيئة جماعية من 3 قضاة بدلا من قاض واحد كما هو معمول به حاليا. علما بان عدد قضاة التحقيق محدود, 649 قاض, قياسا بعدد قضاة المؤسسة القضائية البالغ 8300 قاض. وهم معزولون. كما ان اللجنة البرلمانية التي تشكلت للنظر بقضية اوترو فكرت بالتعديل ولم تفكر بإلغاء قاضي التحقيق.
اعتبر اتحاد نقابات القضاة union syndicale des magistrats , الاتحاد الرئيسي للقضاة, فكرة الإلغاء هذه مخزية honteuse لأنها أولا تقود إلى ” تعصب قديم لمسؤولين سياسيين”. و”هذا تراجع في العمل الديمقراطي ونحن نعارضه” كما أعلن كريستوف Regnard رئيس الاتحاد.
أكثر من مئة قاض ومحام وكاتب ضبط استنكروا في تجمع لهم على درج قصر العدل في 7 جانفي إلغاء مهام قاضي التحقيق, مطالبين المجتمعين في مقر محكمة النقض, غير البعيدة عنهم, لسماع كلمة رئيس الجمهورية حول هذا الموضوع, الاستماع لاستنكارهم وغضبهم. لان هذا الإلغاء هو إلغاء لأحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها النظام القضائي الفرنسي.
وكانت تعلو تصريحات في هذه التظاهرة للتعبير عن القلق والاستنكار والتشكيك مثل: نرفض ان يكون القضاء تابع للسلطة السياسية. كيف يمكن للنيابة المكلفة بملاحقة المشتبه بهم وتوجيه الاتهام لهم في جلسات المحاكم, أن تباشر البحث عن القرائن التي تقوم عليها تبرئتهم؟. سيؤدي هذا التعديل إلى خلل كبير في عمل العدالة. لا يمكن تصور مثل هذا التعديل دون تقديم ضمانات لحقوق الدفاع. وعلى اللافتات التي كانوا يرفعونها كتب: نائب (الجمهورية أو النائب العام) = قضاء تابع للسياسة = قضاء بمعيارين.
وشارك العديد من قضاة التحقيق المشهورين في التظاهرة, مثل قاضي التحقيق في مكافحة الإرهاب Marc Trévidic, , وعميدة قضاة التحقيق في باريس Françoise Deesset , وقاضية التحقيق قي قضايا الصحة العمومية Marie-Odile Bertelle-Geffroy وكانوا يصرحون بأن ” مهمتنا هي البحث عن الحقيقة, ومهمة النيابة هي توجيه الاتهام “. إضافة لمحامين متخصصين في القانون الجزائي بينهم Patrick Maisonneuve و Françoise Cotta و Léon-Lef Forster عبروا عن معارضتهم ورفضهم لهذا الإصلاح.
معتبرين انه إذا مر هذا التعديل فانه سيكون على المشتبه فيه إثبات براءته, وهذا يحمل اللامساواة : فليس كل المتقاضين يملكون إمكانيات دفع التكاليف الباهظة لدفاع ج
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ